شكلت المجاورة بالحرمين الشريفين من طرف الفقهاء والعلماء والأدباء والمتصوفة الذين شدوا الرحال إلى البقاع المطهرة من مختلف بقاع العالم الإسلامي وأصقاعه خلال القرن الحادي عشر للهجرة، وخلال ما سبقه وما تلاه من قرون أيضا، ظاهرة متميزة أغنت الحركة الفكرية والأدبية بالحجاز الذي أصبح بمثابة جامعة مفتوحة تستقطب الأساتذة الزائرين وتحتضن الطلبة المقيمين والوافدين على السواء، وساعد على قوة هذه الظاهرة وحيويتها انتشار المدارس والأربطة وإيقاف الأوقاف وتحبيس المكتبات وإهداء الكتب، والعناية بالطلبة والمدرسين.
ويسجل الدارسون أن المجاورة أصبحت تشكل ظاهرة علمية واجتماعية بارزة كان لها كبير الأثر في المجالات الاقتصادية والبشرية والعمرانية والثقافية للحجاز، فقد عملت هذه الظاهرة على اختلاط الأجناس وتمازج الثقافات، وتجاور الأعراف والعادات، وانتقال الكتب والمؤلفات، وتبادل الرسائل والإجازات. كما ساهمت ظاهرة المجاورة في عملية التأليف والتدوين التي وجدت في الحجاز بيئة خصبة لنموها وانتشارها بعد ذلك في الآفاق، خاصة وأنها كانت تأخذ في كثير من الأحيان طابع المساجلات والمطارحات والمناقضات والمعارضات، والردود والتعقيبات، والشروح والتوضيحات، وهذا ما ساهم في بعث الحياة الثقافية في الحجاز الذي أصبح عاصمة للثقافة العربية الإسلامية حينئذ، إليه تشد الرحال، وفي أرجائه تنزل الوفود، وفي مكتباته تستقر مختلف الكتب التي جادت بها القرائح على امتداد رقعة العالم العربي الإسلامي.