"الرحلة إلى المشرق، وولاية القضاء بمصر"
وللوهلة الأولى، يفهم من هذا العنوان أن ما سيأتي من أقوال يسند إلى موضوعة القضاء المعطوفة على الرحلة بوصفها جنسًا أدبيًا ملائمًا لهذا النوع من القوللة ومشاركًا للعنوان الرئيس في تكونه النوعي. فهذا العنوان الفرعي لا يفصح ظاهريًا إلا عن هذه الموضوعة ووصلها بنقطة مكانية- مجالية: المشرق، وإن كانت مشهورة بحمول أخرى راسخة التقليد كقضاء فرض الحج والالتقاء بالعلماء والأخذ عنهم والاستزادة من علمهم وجلب الكتب النادرة والنافعة في العلوم المتداولة في ذلك الوقت مما يحث على طرح السؤال: لماذا ربط القضاء بالرحلة إلى المشرق؟
يلتقي ابن خلدون والقلقشندي في نظرتهم للقضاء باعتباره وظيفة من الوظائف الرسمية التي تشرف عليها الدولة، فهو:"من وظائف الخلافة ومندرجًا في عمومها".
وبما أن مهام السلطان تتحدد في توجيه السياسة الكبرى للدولة من جهاد، وفتوحات، وسد الثغور وحماية البيضة، فإن بعض الوظائف الأخرى، والقضاء منها، أصبحت تسند إلى أشخاص أكفاء قادرين على تحمل وزر القيام بها وتخفيف عبئها على السلطان لكي يتفرغ كلية إلى سياسته العامة مع الاحتفاظ بهذه الوظائف تحت وصايته نظرًا لحساسيتها وخطورتها وتأثيرها على قيم المجتمع، فالقضاء تعريفًا: