والأسلوب والاحتفال بالروايات والأسانيد؛ ويؤكد الرحالة على أن المادة العلمية التي جمعها في وجهته ورودًا وصدورًا هي التي رسمت معالم منهج التأليف والتدوين قائلًا: «إنني لم أكن قصدت به مقصد التصانيف المهذبة ولا التآليف المركبة، وإنما قيدته بحسب ما تيسر لي مما كنت كتبته على ظهور الكتب وفي بطون البطائق مما قُيِّّد للتذكار، بتلك المعاهد اللائحة الأنوار» ( [10] ) .
فشكل الرحلة المدوّنة إذن تحكمت فيه المادة العلمية والأدبية من جهة، وفترة التدوين من جهة ثانية؛ إذ لم يُخرج ابن رشيد"الرحلة"إلا بعد ترتيب ما جمعه في وجهته الحجازية وتبويبه وتنقيحه، فاكتملت بذلك عناصر التأليف كما يشير إلى ذلك بقوله: «وإن كنت أودعته من الفوائد ما لا يحصره ديوان، ويعز وجوده على ذي البحث والتنقير والافتنان، من مسائل حديثية، وأصلية، وأدبية وبيانية، بعضها منقول عن أئمتنا وأشياخنا، وبعضها مما فتح الله به من فضله العميم ... وقد ضمنت هذا المجموع من الأحاديث النبوية، والغرائب الأصلية والفقهية، واللطائف الأدبية، والنكت العروضية ... » ( [11] ) .
وبالرغم من أن الرحّالة خرج في وجهته هذه ولم يكن قد تجاوز السادسة والعشرين من عمره، فإنه كان مكتمل الثقافة تخرّج على شيوخ بلده سبتة كابن أبي الربيع ونظرائه في اللغة والأدب والعلوم الإسلامية، فلا عجب أن لقي الاحتفاء والحظوة والتقدير حيثما حل وارتحل؛ فيُفسح له ابن دقيق العيد في مجلسه، ويبدي إعجابه بمستواه في العلم والمناقشة ( [12] ) ، ويلقى