ما سمعه، أو رواه، أو أُنشد عليه، وإنما كان يُخضع كل ما أثبته أو علق عليه لعملية التمحيص والتدقيق من حيث نسبة النص لصاحبه، ومن حيث مستواه الفني، ومن حيث موافقته للطبع السليم، فكثيرًا ما كان يصرح بأنه لم يُثبت هذا النص أو ذاك لضعف مستواه ورداءته، أو لمنافاته للمواضعات الأخلاقية؛ ذلك أن اختيار الكلام أصعب من تأليفه كما يرى ابن عبد ربه ( [25] ) ، ومن هنا فما يفتأ ابن رشيد يؤكد على أنه لم يورد في رحلته من النصوص إلا ما اقتنع به واستحسنه يقول ممهّدًا لما نقله عن ابن الحاج التجيبي بتونس: «وقد آن أن نورد عنه ما استحسنّاه أو نستحسنه من فوائد وإنشادات عن شيوخه المذكورين أو ما تيسّر منهم» ( [26] ) .
وينوه بما أنشده نُصير الحمّامي المنياوي ( [27] ) بمصر من أشعار متنوعة بها"بدائع روائع"، فأملى عليه نماذج «من نظمه جده وهزله فيما لم نر إيرادها هنا» .
فارتكاز اختياره على المقاييس الفنية والأخلاقية أدى إلى إقصاء الكثير من النصوص، يدل على ذلك صنيعه مع ابن أبي تميم الحميري الذي لقيه بتونس وأطْلعه على شعره، إلا أنه لم يختر منه إلا بعض المقطوعات والقصائد، كما يدل على ذلك قوله: «وأنشدنا قطعتين أخريين لم نر ذكرهما فآثرنا تركهما» ( [28] ) .