فهرس الكتاب

الصفحة 18882 من 29568

أكثر عندما عاينت امرأة تتسول بالطريقة المغربية التقليدية فتوزع على الركاب أوراقا بات محفوظا ما كتب عليها «أخي أنا أرملة مات زوجي وترك لي أولادا ... » (ص47) .لم تتمالك الأنا نفسها وأطلقت ملفوظها: «وتساءلتَ بينك وبين نفسك هل أنت فعلا في ميترو باريس أم في أتوبيس يربط بين سلا والرباط» (ص47) . أساليب التسول في باريس شبيهة بتلك الشائعة في المغرب: الفقر والجوع والتسول الاحترافي والآلات الموسيقية والتخفي عند جنبات الجدار ... بسبب هذا كله تفاقم الشعور بالألم في نفسية الذات، فسارعت إلى نحت عبارتها في زحمة التشرد: الهملسة، من homeless ، وهي عبارة تدل على التشرد والفقدان والألم والشفقة.

وأمام هذا الحشد من الصور الباريسية الملفوفة بالتشرد والألم، تغرق الذات في استحضار فلاسفة الأنوار ومطالبهم بالحق، وتشعر بأنها تستطيع أن تكتب إلياذة أخرى عن باريس التشرد والاحتماء بالجدار (ص49) .

ومع مرور الوقت تصبح الأمور أكثر واقعية، لأن الذات تجد في باريس الكثير مما تركته في المدن المغربية، فتذعن للفوارق وتؤمن بالمنطق. لقد تحولت الصدمة إلى ألفة وتم الاعتياد على كل شئ. وفي الوقت الذي تنقل فيه الذات ما يجري في باريس عبر الايميسن لصديقها عبد الرحيم، يكون جواب هذا الصديق معبرا أكثر عن دهشته وصدمته تماما مثل ما أصاب الذات:» هناك إذًا شيء ما مشترك بين قريتي وباريس» (ص50) . ولعل هذا ما جعل الذات تعلن أن الأجمل دائما هو ما لا نراه، بعد أن أصيبت باريسها الخاصة بخريف طاعن (ص48) .

4 -جدلية الصورة والكتابة

فالصورة دائما توقظ في ذات الكاتب التفكير في الكتابة؛ وشهية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت