ففي أي وقت بدأ اشتغاله بعلم السنة؟ ومن هم رجال مذاكرته؟ وماهو موضوع تلك المذاكرات؟ وما هي تآليفه؟
المصادر التي لدينا لا تثبت لنا بالضبط وقت اشتغاله بعلم السنة، فالزياني وغيره ممن عاصره وصاحب الاستقصاء كلهم متفقون على أنه بعد أن نال الخلافة وتولى أمر المسلمين ترك الاشتغال بالأدب والتاريخ وعكف على دراسة السنة وحل مشكلها والبحث عن غريبها وجلبها من أماكنها.
وإذا كان ينظر إلى الأدب والتاريخ كوسيلة لا غاية أو كالهية من الهيات الحياة الراقية. وكان إقباله عليه ليس أساسيا بل كآلة تعين على ما هو أهم من المقاصد، فليس ببعيد أن يكون توليه الملك وقيامه بشؤون المسلمين -وهو حد فاصل بين مرحلتين خطيرتين في حياته العملية وانتقال من طور التحرر إلى طور المسؤوليات الخطيرة والتبعات العظيمة والتقاليد والتكاليف المتنوعة- باعثا مهما على تغيير اتجاهه وعدوله عن الاشتغال بالوسائل إلى الغايات، أو فرصة سانحة ووقتا مناسبا لتوجه نفسه الوجهة التي كان يهيء نفسه لها والتي تناسب مقامه ومركزه مما يجعله جديرا بما عهد به إليه، ومما يسهل عليه مأموريته العظمى من جهة ويكسبه رفعة عند الناس ويزيدهم ثقة به من جهة أخرى، ولا سبيل لذلك في شعب متدين إلا ما أتبعه من إقبال على السنة والقرآن، أساسي الدين ومصدري الخير والنور والهدى عند المسلمين، وفعلا نجح وأصبح الإمام الموهوب لهذه الأمة على رأس المائة يجدد لها دينها، وأني له بذلك لو لم يسلك هذا السبيل ويوجه نفسه هذا الاتجاه، وظل مع أبي الفرج يتنقل من حكاية إلى قصة. ومن طرفة إلى نادرة ومن قطعة إلى قصيدة أما رجال مذاكرته فهم كانوا قسمين، قسما للتأليف والدراسة والخوض فيما