فكما انتهى التحدي والكيد بالزواج بين ولد السلطان وعيشة بنت النجار في الحكاية، كذلك انتهى الصراع هنا في هذه القصة بانسيابية فنية بارعة، إلى تحول من الضد إلى الضد بين البطلين، في عز اللحظة الزئبقية المشتبكة بذروة التنابذ والتحدي، سيدها كيوبيد بسهامه النورانية المنفلتة، حيث وجد البطلان المتخاصمان نفسيهما غارقين في أجمل أحاسيس الحب المتبادل بينهما، وكأنهما لم يكونا عدوين لدودين قبل أسطر قليلة، يمثل كل منهما وجهة نظر قبيلته التاريخية ويدافع عنها.
و كان قد سبق للكاتب أن جرب في قصة (زينة) (6) ، لعبة التحول هذه من الضد إلى الضد في علاقة الرجل بالمرأة، خلال رصد الصراع بين بطلتها عربية بنت الفقيه سي ناصر في سخريتها واحتقارها للبطل الأعرج ومحاولاته الفوز بالزواج بها، حيث تشتد في قسوتها عليه واحتقاره لعوج رجله ولفقره، لكن القصة سرعانما تنعطف في نهايتها إلى نسج عملية تحول منسابة نحو قول البطلة في خاتمتها: (( صباحك يا عز الرجال ... ) ) (7)
وهناك مظهر تنويعي آخر في استفادة مبارك ربيع من القصص الشعبي. ويتمثل في استعارة أسلوب كليلة ودمنة في تشييد شكل القصة، من حيث طرح الحكمة بالتنصيص المباشر في الافتتاحية، ثم الاستدلال عليها باستدعاء شتى الحكايات المشخصة لها. وهو بناء تختص به عادة الحكاية الخرافية الواردة على ألسنة الحيوانات المؤنسنة. فهذا النمط من القصص الشعبي غالبا ما يتوزع إلى بنيتين اثنتين يتم في الأولى وهي الأطول والأهم مسرحة وتشخيص حكمة أو مثل أو كلام مأثور، في حين تصرح البنية الثانية وهي الأصغر بالمثل أوالحكمة أو ما شابههما وما يرتبط بهما من هدف أخلاقي محرض عليه بصورة تقريرية مباشرة (8) .