لأنها من المقصود بالذات إذ بها يعرف علم الحلال والحرام والعبادات أما علوم الشرع فهي آلات للعلوم الشرعية وبقدر رسوخ المرء فيها يكمل رسوخه في العلوم الشرعية المقصودة بالذات. والعالم العامل بعلمه بهذا المعنى أفضل من العابد ففي الحديث «من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم» ووجه فضل العالم على العابد يظهر في نفع العالم بعلمه لمن تعلم منه العلم كالشريف عامر فانتفاع الناس بتعليمه العلوم الشرعية وبتلاميذه الذين أخذوا عنه العلم الظاهر والعلم الباطن وبنشره للعلم وحثه العلماء على تعليمه للناس ونشر تلاميذه للعلم يكون له أجر ذلك كله ففي حديث رواه ابن ماجه عن معاذ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «من علم علما فله أجر من عمل به لا ينقص من أجر العامل» . وأخرج أبو نعيم في الحلية عن معاذ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب» اهـ وقال العدوي في حاشيته على شرح أبي الحسن لرسالة ابن أبي زيد القيرواني: أراد بالعالم من صرف زمانه للتعليم والإفتاء والتصنيف ونحو ذلك. وبالعابد من انقطع للعبادة. والمراد بالفضل كثرة ثواب ما يعطيه الله للعبد في الاخرة من درجات الجنة ولذاتها ومأكلها ومشربها ونعيمها قال ابن الملقن: إن نور العلم يزيد على نور العبادة كما مثل بالقمر بالنسبة لسائر الكواكب اهـ والعابد إذا كان عاريا عن العلم لا يسمى في عرف الشرع عابدا بل يسمى فاسقا لأنه بدوام تركه تعلم فروض العين لا يزال فاسقا قال أحد علمائنا الأجلاء:
* وَجَاهِلٌ لِفَرْضِ عَيْنٍ لَمْ يَجُزْ ... إِطْلاَقُ عَابِدٍ عَلَيْهِ فَاحْتَرِزْ *
* لأَنَّهُ بِتَرْكِهِ التَّعَلُّمَا ... لَمْ يَنِ فَاسِقًا يَقُولُ الْعُلَمَا *