فهرس الكتاب

الصفحة 19970 من 29568

ثم أفرغ على كل واحد كسوة تامة، أمرهم أن يلبسوها ثم يرجعون إليه، قال السكتاني: فخامرني حياء عظيم من هذا الاعتناء، فقلت في نفسي لابد من بيتين فذين، الآن أرتجلهما ـ وأنا ألبس الكسوة أقدمهما له، فكان هذا ما سنح:

ما الموج في أزبادها ما السحب في

أمطارها ما الريح في إعصارها؟

أندى ولا أسخى مما ضمته من

راحات مولانا لدى إيثارها!

فأنشدتهما له، فقال: هذا ابن ساعته؟ فقلت نعم يا مولانا، نفحة من نفحات الحلة العطرة، فتناول كناشه فكتبهما بيده. ثم أومأ إلينا الحاجب الواقف مع العبيد، فخرجنا ...

انفرد كل واحد من الأدباء الثلاثة ـ بعد صلاة التراويح ـ تلك الليلة ـ لينشئ قصيدة، وتواصوا على أن لا تتجاوز القصيدة خمسة وعشرين بيتا، لأن الإكثار قلما تجئ معه الإجادة، كما تواصوا على أن لا يجعلوا في القصائد نسبيا، وأن تكون كلها مدحا، وعند السحور جعل كل واحد يلقى ما صنع، وبعضهم ينتقد بعضا، فيتجادلون ـ وربما احتدم النقاش بينهم ـ حتى يتفقوا على ما يتركون عليه المنتقد أخيرا، لأنهم يعرفون أن الخليفة ناقد بصير!

ومن الغد قدموا على مجلس الخليفة، وكان موضوع الدرس ذلك اليوم، حديث من كتاب الصيام للبخاري، فوزعت عليهم النسخ، وكان الذي يتولى التدريس بين يدي الخليفة، أحد العلماء الذين جاءوا معه من مكناس، ويتولى السرد جماعة مناوبة، وأحيانا يسرد أبو عبد الله الفاسي السارد الدائم للخليفة، وكان الخليفة هو الذي يثير المناقشات، ويجيب عن كل سؤال أو إشكال يطرح في الموضوع، وكان لهيبته قلما يقدم على ذلك إلا علماء مكناس، وأبو عبد الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت