فهرس الكتاب

الصفحة 2394 من 29568

قناعته هذه في نوع من الخلوة الصوفية، جعلته يحتجب حتى عن زواره من العامة المعتقدين بصدق في ولايته. وقد تأكد موقفه هذا عندما انقسمت الأسرة السّعدية على نفسها، لما ثار عبد الملك المعتصم وأخوه أحمد المنصور على ابن أخيهما الغالب: محمد المتوكل. حيث التجأ هذا الأخير إلى زاوية ابن ويسعدن64 بسكتانة، واعصوصبت حوله قبائل الأطلس الكبير بأمر شيخ سكتانة، فاستعرت سفوح الأطلس حروبا طاحنة بين الطرفين، في حين ظل الشيخ عبد الله بن سعيد بعيدا عن التدخل في هذا الصراع رغم قربه الجغرافي منه. وكان بإمكانه -لو انضم بأتباعه إلى ابن ويسعدن- أن يغير مجرى الأحداث. 65

من الواضح إذن أن احتجاب الشيخ عبد الله بن سعيد عن العامة، وابتعاده عن الدخول في علاقات مع المخزن، وإن كان يدخل في باب الخلوة، التي تعتبر مرحلة هامة في التربية الصوفية وجزءا لا يتجزأ من حياة المجاهدة، فإنه في الوقت ذاته يشكل خلاصة تجربة مريرة تمثلت في موقف المخزن السعدي من الشيخ ومن أبيه قبل ذلك. وهي ربما نفس الخلاصة التي دفعت السيدة مونيي إلى التساؤل عما إذا لم يكن موقف الشيخ هذا يشكل إجراء حكيما يجعله في مأمن من محاولات الاغتيال، التي سيسقط ابنه يحيى ضحيتها فيما بعد.66 وهو احتمال توحي به العبارات التي رددها مترجمو الشيخ عبد الله بن سعيد، نقلا عن التمنارتي الذي أثبت عند ترجمته للشيخ:"وكان عارفا بزمانه متحفظا من أهله، حسن التدبير، فاعتزل الفضول وتوارى عن العامة". 67

رغم إحجام الشيخ عبد الله عن التدخل في الصراعات السياسية لعصره، فإن المخزن -على ما يبدو- لم يغير موقفه منه ولا من زاويته. حيث ظل هذا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت