العقيدة الإسلامية، وعلى أحكام الشريعة في غير ما تشدّد، أو تزمت، أو تنطّع، أو تطرف، أو جمود، أو تقليد أعمى، أو فقه غير رشيد، أو اجتهاد يفتقد الشروط الواجبة ليكون تجديدًا في فهم الدين، وفي فقه مقاصد الشرع، وفي العمل وفق التعاليم الدينية. وهو الجيل الرائد الذي فهم الدين الفهم الصحيح، ووعى ضرورة العملَ السياسيَّ الوعي الرشيد، ولم يكن يفرق بين السياسة وبين الدين، وبين الوطنية وبين الأخلاق. وبهذه العقيدة ثَبت هذا الجيل الذي ينتمي إليه المجاهد أبو بكر القادري، وصمد، وأبلى في الكفاح الوطني ذلك البلاء الحسن الذي وقف به في وجه دهاقنة الاستعمار، الذين كانوا يسعون لقطع صلة المغرب بدينه، وبلغته، وبهويته، وبخصوصياته الروحية والثقافية والحضارية، هدفُه من وراء ذلك استمرار ارتباط المغرب بفرنسا المحتلة المغتصبة للشرعية الوطنية المغربية.
في سنة 1930 كان أبو بكر القادري فتىً يافعًا يتقد حماسة في السادسة عشرة من عمره. ولكنه استطاع أن يفرض شخصيته، وأن يتصدَّر جماعة الشباب السلاوي، وأن يتخذ من المسجد الأعظم في المدينة، منطلقًا لحركة اللطيف التي ابتدأت في سلا، وليس في غيرها من المدن، وهي الحركة التي حسب لها المستعمر الحساب، وأدرك خطورتها عليه، فبادر إلى منعها، لما رأى فيها من رفضٍ وطنيٍّ للسياسة التي كان يعمل لتنفيذها، في تلك المرحلة الدقيقة من تاريخ المغرب. وبذلك خرجت الحركة الوطنية المغربية من المسجد، تمامًا كما خرجت الحركة الوطنية المصرية من جامع الأزهر الشريف، وخرجت الحركة الوطنية السورية من الجامع الأموي. ولكن الفرق بين الحركات الثلاث، هو أن الأولى لم تغادر المسجد، بما ينطوي عليه المسجد معانٍ ودلالات ورموز، وأن الأُخرَيَيْن ما لبثا أن حادتا عن سبيل المسجد، فكان ما كان من فقدان الروح الإسلامية للعمل الوطني السياسي في مصر والشام، بينما حافظت الحركة الوطنية