ذلك تأكيد لوفائه وتأدب مع شيخه وتذكير لحقه عليه، فالشيخ يصبح جزءا من التلميذ، وهو الإحساس بالأبوة، فيثير ذكر اسمه حضور الذكريات: ذكريات العلم والصلاح .. وهذا يذكرني بمقولة البيروني في كتابه تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العلم أو مرذولة حينما سئل عن الاستنساخ، وكان وقتها هذا المفهوم يحيل إلى معان فوق الطبيعة وإلى ما ليس تحته عمل، فأجاب البيروني رحمه الله بأن الاستنساخ هو: استنساخ علوم الأولين فينا .. هكذا أرى سيدي ميارة يتحدث عن شيوخه، لا عن عاطفة معزولة عن سياقها العلمي، بل عن إحساس يدمج العلم والتربية برباط وثيق .. هذه هي أخلاق العلم ..
وقد يحدث أن يتذكر صاحب الفهرسة بعض المواقف التي عاشها الطلبة مع بعض الشيوخ كوداعهم للشيخ كما في ترجمة أبي العباس المقري حينما أزمع الرحلة للحج، وقد خرجوا معه إلى خارج المدينة يشيعونه .. ولا ينسى في نهاية كل ترجمة أن يذكر وفاة شيخه وسببها إن أمكن كما في ترجمة شيخه ابن عاشر وابن النعيم، مع توضيح ما خلفته وفاته من حسرة، وآثار على الساحة العلمية، ويأبى الشيخ ميارة إلا أن يسجل هذه الوفيات لشيوخه ضمن أبيات نظمية يرمز فيها بحساب الجمل إلى تواريخ هذه الوفيات، مكملا بذلك نظم صاحبه الأديب المكلاتي وقبله الأديب محمد بن علي الفشتالي وتمثل مشيخة شيوخه حيزا في هذه الترجمة، ورغم أنه لم يقف كثيرا عند رجالها إلا أنه في عرض أسمائها بالألقاب التي يغدقها عليها ينقلنا إلى جيل العلماء السابق لشيوخه، وهو الجيل الذي صنع تلك النهضة الفكرية على عهد أحمد المنصور الذهبي، وكأن الشيخ ميارة يرى في نفسه عند عرض هذه المشيخة، امتداد لها، ويرى في شيوخه المباشرين استمرار لعطائها، ورغم أن ذكر مشيخة المترجم به في كتب الطبقات أو في الفهارس هي من تحصيل الحاصل فإن