فهرس الكتاب

الصفحة 24045 من 29568

ينسبن في دلال ورقّة مع أمواج فكره وخياله."فعبيره الملتهب"ما زال يفعل فينا فعل فعل المياه العذبة في الأملاح، و"شجرة محّاره"ما زالت تستظلّنا بوارف ظلالها الفضيّة النقيّة، الطليّة الوضّاءة، المزخرفة الموشّاة، وما زلنا نقترب بها من فوهة آذاننا، في نشوة الأطفال وبراءتهم، لتسمعنا على إيقاع هدير الأمواج العاتية البعيدة سحر الأسطورة المسحورة، وتحكي لنا خرافة الجنيّ المارد العملاق، الذي يستوي مربّعا كالحزمة داخل الزجاجة الصغيرة، ثمّ ما ينفكّ يخرج منها في رفق وينتشر في الفضاء إنتشار مظلّة مظليّ جبّار في عمق السماء وعنانها. و"لهاثه الجريح"ما زال يلهث في أناة، وينفث لنا مع كلّ زفرة من زفراته، أنّات، وآهات باكية شاكية متأنيّة. وما زال"زورق قمره"المحمّل بلذيذ المسك، يحكي لنا عن أسراره كلما حوّم وسبح في البعد اللانهائيّ الفسيح، ثمّ لا يلبث أن يعود إلى مستقرّه ليستوي على عرش القلب ويحيط بشغاف الفؤاد.

وتتسابق الحروف، وتتبارى الكلمات في الحديث، والشّدو، والهمس، والصّياح، ما بين"أسد شلاّلاته"، و"فوّارة ظمأه"و"عنقود نداه"، و"شموعه"البارقات التي لا تنطفئ مهما بلغ عتيّ الريّاح، بل إنهّا تزيدها إتّقادا، ولمعانا، ونورا، وبهاء ...

هكذا كان"الصبّاغ"فكأنّما من نفسه صاغ أو صيغ إسمه، فإذا الجوهر سرّ المخبر، وكأنّي بريشته قد قدّت من روحه لتصبغ لنا ألوانا زاهية رائقة من الأدب الرفيع، وإذا بالكلمة عنده تشبه ملائكة الفجر الصّبوح، تتيه في دروب قلوبنا المظلمة فتشعّ وتشيع فيها وعليها من نورها ضياء ساطعات، سرعان ما تتحوّل في حياتنا إلى صوى أو صوّات، وأصداء وأصوات من نور نهتدي على هديها في المسالك الوعرة، والحوالك الصعبة، ونجتاز بها مفاوز ومهامه وقفار حياتنا المعتمة ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت