"كالرّسم بالوهم"حزمة عواطف، وشحنة آهات، وباقة خواطر، تبدّت جدواها في حياة الكاتب الألمعيّ، فكان لها قلمه بالمرصاد مسجّلا، حاكيا، شاهدا، ناطقا، صادقا، ينتقل بنا في سياحة فكرية وأسلوبية رائعة، فمن حديثه عن: ألفية ابن زيدون"، وعن رحلته الضوئيّة من"الأندلس إلى المغرب"، ثمّ يعرّج على"لوركا"المعذّب الحائر المكابد، ويذرف الدمعات حرّى ساخنة على"أمّ كلثوم"التي يرى فيها"الحرب والسلم، والنّار بردا وسلاما، وخمرة هوى، وأسطوانة حياة، تديرها ملايين الأصابع"، ومنها يطير إلى"لبنان"المخضب، الباكي، الشاكي، المتالّم."
ومن لبنان إلى منابر العرفان بتقريظه للدّور الطلائعي الذي تضطلع به مجلّة"المناهل"فى مجالات الثقافة والفكر في مغرب اليوم. ومنها ينتقل كالفراشة الحائمة للحديث في شفافية عن فلذات الأكباد الصّغار، أمل الغد ورجال الآتي، ثم إعتراف بسبق عظيم في عالم"القصّة"بتقريظه لمجموعة"العمّ بوشناق"لعبد الرحمن الفاسي، الذي ألبس القصّة في هذه الربوع عمامة التوحيدي، وخلع عنها قبّعة موباسان .. !.ويقول عن صديقه وخلّه الكاتب المرحوم عبد الجبّار السحيمي:"قبل أن يأتي هذا الوجه في سياق الرؤيا، كانت القصّة في هذه الرّقعة ضربا من الخرافة ترسل في الأسمار، أمّا على يديه فقد إستوت فنّا مبرّعا يصدّره المغرب إلى الخارج مع أنفس ما يصدّره من بهاء".
"الصبّاغ".. .. هذا"الجبران"المغربي .. أو هذا الصبّاغ المشرقي! .. من أيّ عهد تدفّق علينا بفنّه الرائق ... ؟ بشلاّلاته العذبة ... ؟ ومحّاراته الجميلة .. ؟ وصدفاته الملساء .. ؟ وعناقيده المدلاّة الصّافية كثريّات الذهب، أو كالبلّورالناصع النقيّ .. من أيّ عهد نبع ونبغ ونبت هذا الشاعر النثّار .. والحالم السّماوي ... ؟ لقد كان رحمه الله عطاء من نوع خاص، جادت به تربتنا الفيحاء، ونفخ فيه تراثنا العريق، واستظلّته أدواح الغرب، فكان هذا الحلم المبعثر في ثنايا