الفنانين المغاربة القلائل، الذين راهنو على توسل إمكانات الفراغ في بناء خطاب تشكيلي يروم زعزعة القائم والمكرس، فيما يمكننا اعتباره مخاطرة فنية جديرة بالقراءة والمقاربة والتأمل.
فمنذ أعماله الأولى، راهن غزالي على المنفلت والهش والمهمل في بناء عالمه الصباغي، من خلال استدعاء ما يوقع على جدران الشوارع العامة من علامات وخربشات وتعبيرات - والتي عادة ما تبقى عرضة للامبالاة - إلى سند لوحته، وفق اشتغال عالِمٍ ونبيه، يقوم على إعادة استثمار منطوقها / خطابها العفوي الساذج بنظرة ذكية، بما يعنيه ذلك من تركيز دقيق على الجزئيات الدالة وعلى التفاصيل الصغرى، التي يمكن أن تمنح حياة أخرى لأشكال وعلامات وإشارات عفوية، ولبوح مهمل خطتها جميعها يد/ أياد قلقة عابرة.
غير أن ما يمنح لهذا الاقتناص التشكيلي البارع للمهمل حياته الجديدة، في تجربة حكيم غزالي، كونه ينبني على تصور فني يروم أسلوبا إشاريا إقلاليا، يركز الفنان في صياغته على حنكة المحو ومهارة التنخيل، بالمعنى الذي يجعل من تحجيم القليل والاكتفاء بظلال الدوال أسلوبا تشكيليا مغايرا يروم مزيدا من التجريب المغامر، بما ينتج ويثير مزيدا من الأسئلة الإشكالية، إن في ارتباط بتجربة هذا الفنان الخاصة، أو بسؤال اللوحة والفن بصفة عامة.
إلا أن هذا الطموح في بناء عالم صباغي يكتفي بالإشارة واللمعة التشكيليتين، سرعامنا سيعرف انعطافة صعبة وجريئة، في تجربة هذا الفنان الراهنة، وهي الانعطافة التي يمكننا وصفها بكونها تنشد الاستثمار في المناطق البعيدة، أي الإقامة في تلك المرتبة من الحدس والتأمل