أقصاها في مخاطبة المطلق عبر وجوهٍ وحيواتٍ وعوالم متعدّدة. فلا يعنيني في الكتابة التي أُكبّ عليها بقدر عنايتي بإيقاع الذات والعمل عليه داخل البناء النصّي الذي ترفده موسيقى هامسة من الإيقاع، ويسهم فيه تنويع التراكيب، مثلما عنايتي بالتصوير الشعري وإدارته في إطار من الحوار الخارجي الذي يستبطن الحالات الشعرية المختلفة، وهو ما يُطْلق ذاتيّتي ويشفُّ عن إشراقاتها وشرطها الأنطولوجي، وعن تشوُّفها الشاق عبر معراج الذكريات والأشواق إلى المطلق. إنّها تُقاوم حتى لا تتلهّى عن حماية الأمل الذي يوقظ ولا يعمي الرؤية، ويترك الوعد بالحياة ولغتها قائمًا على الدوام. لقد صار قلق الكتابة يتلبّسني أكثر من ذي قبل، في عصرٍ قياميٍّ كهذا.
-هل يُواصل ديوانك الجديد «ذاكرة ليوم آخر» هذا الانتباه، أم أنَّه يُحقّق طفرة ويحدث انشقاقًا في التجربة؟
هذا الانتباه لا زال، لكن لا معنى أن تكتب بدون أن تكون لديك رغبة في أن تتحوّل باستمرار. ذلك قلق الكتابة الذي يهجس بروح التجربة ويشرعها على صمت الجهات. مفهوم التجربة نفسه يتطوُّر إلى صيغة أن يكون للكتابة شرْطٌ إنسانيّ تتّخذه الأنا الشعرية للتعبير عن رؤيتها الخاصة للعالم، حتى وهي تسرح في فضاء الأيقونة التاريخي والرمزي، كأن تتلفّظ بأنا- بغداد، والقدس، ومراكش؛ أو أنا- المعري، والمعتمد بن عباد، وأبي العباس السبتي، إلخ. ذلك هو أنا- الوعد باللغة. ذات التّلافُظ إذا جاز القول. ففي الديوان يتمُّ الإصغاء إلى الفردي وكذلك إلى الجمعي بشكلٍ غير قابل للفصل. الطفرة تحدث في هذه المسافة من «ضياع المعنى» حيث يمكن لأنا الكتابة أن تنكتب باستمرار.