فهرس الكتاب

الصفحة 24896 من 29568

كما اللغة، يحاول الإيقاع أن يتقفّى أثر التجربة ويتجاوب معها، لذلك ينوّع مصادر اشتغاله عبر اللغة وخارجها، إذ لا يعنيني التوقيع بقدر ما يعنيني الجَرْس الذي يلفت القرينة من غفلتها، ويبعث شتيت المعنى من سقطه المهدور. نلمس ذلك بأشكال متنوّعة ومُشظّاة من نصّ إلى آخر، ومن شذرة إلى آخرى، حيث يعبر الإيقاع في اللغة مدركًا ومحسوسًا وباترًا ومرئيًّا أو غير مرئيٍّ. وسواء كان داخل قصيدة التفعيلة أو قصيدة النثر، فإنّ الإيقاع مُفكّرٌ فيه كأثر لا كعلامة، وهو يتّكئ، باقتصاد بليغ وعبور هامس، على مجمل «اللونيّات» و «الفراغات» التي تأثر عن توتُّرات اللغة وتجاويفها في علاقتها بملفوظ الأنا. من ثمّة، يمكن لنا أن ننعت هذا الإيقاع، تجوُّزًا، بأنّه «إيقاع ثالث» ، لا هو إيقاع الوزن الذي يتردّد على مسافات منتظمة، ولا هو إيقاع النثر السيّال كيفما اتّفق.

-وما قصّة بيتي المتنبي اللذين تفتتح بهما ديوانك الجديد؟

لا أنظر إلى المتنبّي كأب، بل كعلامة ترقيم ليس لها شبيه في متوالية الشعر العربي. والعودة إليه دائمًا ما تأخذ شكْلَ إصغاء أكثر من احتفاء أو مجرّد ذريعة. إنّه من تلك القلّة الهائلة التي لا تزال مصدر إلهام، وشعره إلى اليوم يخرق جدار الزمن. ما يهمُّني في بيتي المتنبّي:

يُقاتِلُني عَلَيْكَ اللّيْلُ جِدًّا

ومُنصَرَفي لَهُ أمضَى السّلاحِ

لأنّي كُلّما فارَقْتَ طَرْفي

بَعيدٌ بَيْنَ جَفْني والصّباحِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت