همت مختلف المجالات بما فيها المجال السياسي، الذي كان يعيش مرحلة أزمة حقيقية بعد وفاة المولى الحسن الأول، والتي تمثلت في الصراع بين رجالات المخزن، وبدأ عملية تصفية الحسابات بين بعض الأجنحة الوازنة داخل هيكلة السلطة، كان من أهم نتائجها تنحية المولى أمحمد ولي العهد عن الحكم وسجنه وتولية أخيه الأصغر المولى عبد العزيز صوريا، فيما أمسك الوزير أحمد بن موسى عمليا بمقاليد السلطة، بعد قضاءه على آل الجامعي، وتحالفه مع كبار القواد كالكلاوي والكنتافي و المتوكي، كما قدم آخرون الرشى لابن موسى ليبقوا في أماكنهم أو يعينوا قوادًا على قبائلهم.
في الوقت الذي كان فيه الاستعمارين الفرنسي و الإسباني يزحفان شرقا وجنوبا، ويقوضان أركان الوحدة الترابية للإيالة الشريفة، كما تركزت أزمة النظام على مستوى العقيدة الإستراتيجية، في تبنيه موقف المهادنة العسكرية مع قوى الاحتلال الأجنبي، منظرا لها من خلال الفتوى التي أصدرها بعض علماء المخزن يبطلون فيها الدعوة إلى الجهاد، ويجرمون من يقوم به تحت بند الخروج على السلطان.
لذلك نفهم جيدًا معنى اتهام علماء فاس للشيخ الكتاني، بالخروج عن السلطان أو طلب الملك كما يحلو للبعض أن يصفه، والذي تزامن تاريخيا مع خروج الشيخ إلى صحراء تافيلالت سنة 1894 ولقاءه بقادة الجهاد الذي مثلته الزاوية الدرقاوية في المغرب الشرقي.
الذي كان في الحقيقة تعبيرًا عمليا صريحا من الشيخ عن اصطفافه إلى جانب المقاومة المسلحة ودعمه لها، ومعارضته لموقف المخزن من الزاوية الدرقاوية التي لم يكن مضى إلا أشهر على حملة المولى الحسن الأول سنة 1893 - على مراكزها بمدغرة وتنكيله بشيخها مولاي بلعربي المدغري الدرقاوي حسب ما يصف الطبيب لينار يس في مذكراته