ففي الوقت الذي تهفو فيه فرنسا إلى تخليص تارودانت عاصمة سوس من قبضة الهيبة، وجدت نفسها وجها لوجه أمام عدة بؤر للمقاومة، وثمة خيط رابط بين القبائل التي ظلت تقاوم بكل ثقلها وقوتها، وهو الولاء للهيبة. لهذا وخلال الفترة الممتدة ما بين 1913 - 1915، لم تنقطع هجومات المجاهدين على المراكز الحضرية الخاضعة، انطلاقا من أعالي الجبال المحصنة.
ويبدو أن تباين الإمكانيات الحربية، من حيث العدة والعتاد بين القبائل والقوات التي سخرتها فرنسا، جعل مهمة المجاهدين تنحصر في القيام بهجومات مباغتة، وتفادي المواجهة المباشرة وجها لوجه (47) ، باستثناء تلك المواجهة التي جمعت حيدة والناجم الاخصاصي بقرية "أزرو" حيث كانت الهزيمة على الأول، الذي سرعان ما استجمع قواته (48) .
وخلال هذه المرحلة شكل مثلث وادنون وايت باعمران والأخصاص، المجال الحيوي لتحرك المجاهدين (49) ، والعمق البشري والتمويني للمقاومة، وملجأ لتنظيم أمور الجهاد في الحالات الحرجة. وكانت مناسبة اجتماع أسرير التاريخي (50) ، الذي دعا إليه الهيبة، فرصة أمام القبائل الصحراوية والسوسية لتدارس الوضع العام بعد سقوط المراكز الحضرية بيد القوات التابعة للفرنسيين، ووضع الخطط الحربية للإجهاز عليها.