سبيل المثال لما زار مراكش سنة 1354 - 1936 استقبله تلميذه المختار - الذي صار شيخا بإحدى زوايا والده في باب دكالة لكن دون تلقين الأوراد الدرقاوية - مع تلامذته استقبالا يليق بمقامه ونظم أسبوعا أدبيا حضره كل من ينتسب للعلم والأدب. و لا شك أن باشا المدينة الحاج التهامي الكلاوي وافق على هذه الحفاوة بل شجعها وكان من ضمن المحتفين. ورب قائل يقول: كيف تناسى الكلاوي مواقف سي الطاهر المعادية للحماية الفرنسية وعدم إصغائه لكل العروض المغرية التي قدمت له من أجل التخلي عن الهيبة وأخيه من بعده؟ فالجواب نأخذه من المعسول حيث قال سي المختار، و هو شاهد عيان: لابد أن نسجل للفرنسيين أنهم إثر ما ألقوا كلكلهم على تلك الناحية عرفوا كيف يسوسون الناس. فإنهم أعرضوا عن الكثيرين ممن كانوا يجاهدون في الدفاع برخص مهجهم حتى يجدوا لهم جريرة. وأما من قبعوا واستكانوا و زمّوا ألسنتهم كالسي الطاهر فإنهم أعرضوا عنهم ثم صاروا يتقربون إليهم بالتعظيم ليقروا بذلك أعين الدهماء بل علقوا لهم أوسمة في مجتمعات الناس إعلانا بأن الحكومة تحترم رؤساء الدين، بل كانوا يحبون أن يجذبوا المترجم إلى جهتهم بتعظيمه و بتوسيمه. لكنه يكون في أيديهم ـ كحوتة مطلية بالصابون ـ، فلا يعصى و لا ينقاد كل الانقياد. فقنعوا بأن يكون إزاءهم ولده سيدي محمد، و هكذا أمكن للمترجم أن ينجو من حبائل الفرنسيين مع أنهم علموا ما فعل أيام الكفاح. فقد اعتاد أن يغترب كثيرا عن داره إلى الأماكن التي فيها أملاكه، فينسونه. ومتى لاقاهم يتمسكن و يلين لهم الجانب ثم لا يكثر الاتصال بهم لا في حفلاتهم و لا في غيرها إلا إذا دعته ضرورة أو سدا للذريعة أو ذرا للرماد في الأعين. هذا و قد أقبل في هذا الطور على صياغة قصائد في الجناب النبوي مع الاحتراس فيها غاية الاحتراس.