الأسوأ، فمن جهة أولى مَسْخُ الهوية واستبدال عناصرها بمساحة عدمية تستنبتُ الشك واليأس والإنتحار النفسي؛ ومن جهة ثانية تَحَوُّل جذري في خارطة القيم الثقافية الكبرى: الكرامة والصدق والتآزر والشجاعة والعفة .. نحو قيم بئيسة لا أخلاقية.
وضربتُ لصديقي صالح الورّاقي مِثالا عشتُه في عدد من قبائل الشاوية أثناء إنجازنا لبحوث في تاريخها ومجالها ومُتخيلها الثقافي، وركزت قولي على آخر منطقة اشتغلنا عليها ضمن فريق من الباحثين من مختلف التخصصات، وهي منطقة المذاكرة / الكارة، وكيف أن الكثير من الساكنة هناك سواء في الفيلاح أو القرى المحيطة، لا يعرفون لهم ذاكرة (أو تناسوها) يستندون عليها ويشمئزون مما تركه الإستعمار من بؤر للفساد، حافظ عليها المسؤولون المحليون بعدما حوّلوها إلى أداة للربح المادي والإنتخابوي. لكن اشتغالنا لمدة سنة كاملة، استطعنا خلالها أن ننجز كتابا في الموضوع وندوة حضرها عدد كبير من الساكنة من مختلف الأعمار، فسمعوا ثم قرأوا عن وجود مدينتين مندرستين من مدن بورغواطة في المنطقة و عدد كبير جدا من أسماء المُجاهدين والعلماء، ضمن إرث ثقافي يُتمم ما وُجِدَ وما يوجدُ في كل المغرب.
بعدما سمعوا وقرأوا تغيرت لغة المواطنين صغارا وكبارا، بحيثُ الذين أصبحت لهم طريق نحو ذاكرتهم المحلية التي يفخرون بها وتكون لهم مرجعا وسندا وتحميهم من الإنزلاق .. كأننا جميعا وجدنا كنزا من القيم التي يحق لنا كمغاربة أن نفخر به.