عن «تاريخ مجزء «بل عن «تاريخ مفتت « ... لقد وجد المؤرخون الجدد أنفسهم وجها لوجه مع بداية انبعاث ما كان مرفوضا منذ نشأة الحوليات: عودة الحدث، عودة التاريخ السياسي، عودة البيوغرافيا، عودة السرد. هل هذه العودات تشكل بداية مرحلة جديدة مختلفة عن السابق أم أنها لا تعدو أن تكون عودة بسيطة إلى مواضيع تقليدية متجاوزة؟ هل هو تكييف جديد للتاريخ مع المتغيرات الحالية أم أن الأمر مجرد موضة عابرة؟ ... يفتح هذا الكتاب صفحة من صفحات خصائص تاريخ الكتابة التاريخية في الفترة المعاصرة بأوربا عامة وفرنسا خصوصا، فمن سيطرة المدرسة المنهجية في القرن التسع عشر إلى نشأة الحوليات في عشرينيات القرن الماضي إلى اللحظة التي وسمها الباحثون بالأزمة مع جيل التاريخ الجديد، تتبعنا كرونولوجيا خصائص كل مرحلة من هذه المراحل بالدراسة والتحليل، وأبرزنا الأشياء التي تغيرت ما بين الأمس واليوم في الكتابة التاريخية خلال المرحلة المعاصرة « (ص ص. 5 9) .
وللاستجابة لأفق الدراسة التي حددت منطلقاتها هذه الأرضية التقديمية، قسم المؤلف عمله بين ثلاثة أبواب مهيكلة، إلى جانب فصول تجزيئية في مقاربة التفاصيل والسياقات. ففي الباب الأول، اهتم المؤلف بإعادة مقاربة قضايا «فلسفة التاريخ «، معرفا بأهم نظريات هذه الفلسفة، وكاشفا عن أساطيرها المتوارثة، وعلى رأسها تلك المرتبطة بخرافة نهاية التاريخ وبمأزق التاريخانية. وفي الباب الثاني، انتقل المؤلف لرصد خصائص الكتابة التاريخية في القرن 19 م، مميزا داخلها بين أنماط هذه الكتابة التي كانت سائدة بأوربا خلال المراحل القديمة والوسطى، ثم بين خصائص المدرسة المنهجية التي انطلقت من ألمانيا منذ القرن 19 م، ومركزا على