لم يفكر يوما في الابتعاد عن مدينة ابن سليمان، مسقط رأسه ... استهوته المدينة بطبيعتها الخلابة وسكانها البسطاء الطيبون ... أهله وأحبابه ... كان محمد نبيلي يحكي عنهم بلسان مثقل بالكلمات الواعظة ... يرى فيهم مالا يراه غيره ... الرقة والحنان .. أبى إلا أن يجعل من أطفالهم قنوات لسقي قلوبهم الظمئانة، ومسالك لفك العزلة على مدينتهم الخضراء ... لم يكن بالإمكان على نبيلي إبن (كانبولو) ... أو كما ردد البعض في لحظات العبث (القشلة) ، أن يفارق مدينة الفلين وعين الداخلة والشعرة والشفيرجلة والقصب والرمان والناس .... أو يتهاون في صب دماء جديدة خضراء تعوض الخضرة التي باتت تفتقدها حاضرة بنيورة والزيايدة والمذاكرة والعرب ...
أحب الأطفال، فعاهد نفسه على مصاحبتهم ومداعبتهم ... ثارة يلعب دور الأب الناصح والعم المرشد والمكافح، فترتفع أصواتهم من داخل ورشات الرسم (أبي نبيلي عمي نبيلي، تعالى لأريك ما رسمته ... ما رأيك عمي .. ) ... وثارة يختصر العقود ليلحق بسنهم ويداعبهم بأساليبهم وعفويتهم، فيناديه الأطفال بإسمه (محمد أو نبيلي كيف جاتك لوحتي ... رسمت حسن منك ... ) .
وسواء كان الأب أو الصديق، فنبيلي كان ينتعش بتلك اللحظات، ويغوص في بحر من البرائة والصدق الصادق من نفسه وعشيرته الصغيرة ... ليث عقارب الساعة تتوقف لثوان لتترك للفن فرصة التعبير عن دوره الحقيقي والشمولي ... كم ترجاها نبيلي ... أطفال يرسمون لوحات نسجتها مخيلاتهم دون توجيه أو قيود ... يرسمون ... يخططون ... حتى قبل أن يتعلموا فن الكتابة والخط.