فهرس الكتاب

الصفحة 26570 من 29568

سيغيب اسم محمد شكري من ذهني نحو عشر سنين أخرى. ستتغير في الأثناء -نسبيا- ذائقتي الأدبية وتتصالح معاييري نسبيا أيضا، مع أشكال مختلفة للكتابة الشعرية والسردية.

هكذا سأتلقى كتاب شكري"الخبز الحافي"الذي أصدرته"دار الساقي"في لندن بفرحة من يقع على لقية، وهو بالفعل لقية في حقل الكتابة السردية العربية التي أخذت تحت سطوة الحداثة والتجريب تتشابه إلى حد الملل وتضمر فيها عروق الحياة حتى الجفاف.

سيصنع هذا الكتاب الفريد، صوتا وموضوعا، الملامح الأساسية وربما النهائية التي ستستقر عليها صورة محمد شكري في أذهان المثقفين والقراء على السواء. كان"الخبز الحافي"مفاجئا بكل المقاييس ولم يكن يتعلق الأمر بأسلوب الكتابة، بل بعالمها، ولا أقول بمادتها.

كان حافيا جدا إلا من روحه نصف المقدسة نصف المدنسة. فهنا عالم قاس وفظ وعدائي، وهنا كتابة جريئة، مباشرة، وجارحة. كأن الكتاب مكتوب بالسكين لا بالقلم، سكين تكشط وتغوص في أحشاء عالم قاتم ولا تتلكأ عند أطرافه وحواشيه.

كأننا أمام هنري ميللر عربي، هنري ميللر الذي فتننا بمداراته السوداء صار لدينا ابتداء من"الخبز الحافي"هنري ميللرنا القديس، المدنس، الخاطئ، البريء، العيّار، والنمرود، ابن قاع الحياة وتحايلها على العيش الصرف الذي لا تطاله اليد.

توالت أعمال شكري بعد"الخبز الحافي"على نحو متقطّع. كان الكاتب الذي جعلت منه حياته الشقية علما في دنيا الكتابة العربية بين ليلة وضحاها ينوء تحت عبء الشهرة المفاجئة ولا يعرف كيف يمسك بالقلم مرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت