لها أن تكون كذلك من دون أن تخشى من غول العولمة أن يبتلعها ابتلاعا وأن يصيرها إلى العدم؟
يبدو لي أن هنالك أخطارا ثلاثة كبرى تتربص الدوائر بالهوية العربية، وبالتالي فثمة جبهات ثلاث يتعين على الهوية العربية أن تخوض فيها المعارك وأن تلتمس النصر، فليست ترى غير النصر حلا مقبولا، وليست ترى في غيره إلا زوالا واندثارا.
ربما اتسم هذا القول ببعض التكرار الممل بالنسبة للبعض، وربما رأى فيه البعض الآخر مغالاة وإسرافا، وربما وجدت فيه فئة ثالثة إساءة إلى معنى الهوية العربية ذاتها. وفي الأحوال كلها فنحن نعرض وجهة النظر التي نصدر عنها كاملة.
الجبهة الأولى هي التي يصح نعتها بجبهة الخطاب القومي العربي الدوغماطيقي، والقصد به خطاب القوميين العرب كما شاع، بل وهيمن، على الساحة العربية في العقد السادس من القرن الماضي. في الخطاب القومي العربي حديث عن الهوية العربية يعلي من شأن الخصوصية العربية ويسرف في التغني بفرادة العرب والعروبة، ويبلغ حدا يصل إلى الإغراق في الانغلاق على الذات ورفض الآخر. وفي دراسة قديمة لنا تبينت لنا أوجه صلات عديدة بين خطاب القومية العربية (عند بعض رموزها الكبيرة التي أذكر منها، على سبيل المثال، زكي الأرسوزي وميشيل عفلق) وخطاب العرق الخالص أو الجنس الصافي عند الآيديولوجية النازية. لا تتحدد الهوية العربية، في الخطاب القومي العربي الدوغماطيقي، إلا بذاتها، وليست تدرك إلا في حال الرجوع إلى الذات في صفائها المطلق الذي يحكم الإغلاق من حولها. حال غريب على الثقافة