جوانب الحكم في المضمون أحيانًا وفي الشكل في كثير من الأحيان. وليس هناك شك في اقتضاء سياسة الدولة عبر التاريخ أن يعلن العالِم باستمرار مخالفة المعتزلة ولو كانت مخالفة من أجل المخالفة. فالمدرسة الأشعرية التي تفرعت عن مدرسة الإعتزال لم تغير في المضمون كثيرًا فخلق الأفعال استُبدل بمصطلح الكسب فالكسب أكثر ورودًا في القرآن حيث يقرر حرية الإرادة للإنسان بوضوح.
ولادة المعتزلة في تحقيق الجابري
إن الفكر المعتزلي أنتجه إلغاء العقل من الخريطة السياسية والدينية، وبالتالي من المنظومة التربوبة للخطاب الرسمي الأموي الذي كان يؤسس لعقيدة الجبر. فمن أبواب التراث التي حققها الأستاذ محمد عابد الجابري في مشروعه مسألة الحروب التي دارت رحاها بين مدرستي العقل والنقل والمعاناة التي أطالت مدرسة العقل منذ التأسيس لتلك الأزمة.
وهذه الإطالة ظلت حاضرة تطل بين آونة وأخرى، كما أطالت قاضي قضاة قرطبة أبي الوليد بن رشد. فلم يكن من انتصر للنقل كان انتصارًا لذات النقل بقدر ما كان انتصارًا لسياسة لا تريد للعقل أن يتحرر لكي لا يتحرر المواطن من خلاله من ربقة الإستعباد. وليس من تهمة تسقط من ينتصر للعقل أقوى من اتهامه بمحاربة النقل واستبداله بالحكمة (الفلسفة - علوم الأوئل) . بتلك التهمة الفضفاضة أدين في تراثنا كل عالم وفيلسوف وتم تضييق الخناق عليه، وأسقط من عين العامة طوعًا أو كرهًا. فلا بأس بعد ذلك السقوط أن يسجن أو ينفى في الإرض لينصرف عنه أتباعه ويُصرف عنهم ويقبر في عالم النسيان حيًا أو ميتًا، بدعوى خرقه للإجماع، وما حدث