عندما جئتها للعمل والاستقرار سنة 68، كانت الرباط ذات كثافة سكانية قليلة، نظيفة وآمنة أيضًا، نقضي الليل كله حتى الفجر نتسكع من مكان لآخر، دون أن تعترضنا دورية للشرطة أو اللصوص العدوانيون المتناسلون الآن كالفطر، فأكل ما تيسر لنا في «النقابة» أو عند المرحوم بَّا حسُّونْ، كنا نعيش على السلف كل شهر، لكننا كنا قنوعين، كان عبد الجبار يشملنا برعايته الرمزية الواحد تلو الآخر، نحن شرذمة المهاجرين، إلى الرباط: عبد ربه الضعيف محمد الهرادي الأمين الخمليشي بوخزار إبراهيم الخطيب، لقد أخذ عبد الجبار يتخلى عن رباطيته الباردة لينخرط معها في طقسنا اليومي الخاص وتسكعنا في حقل الكتابة، سيتحمس لإصدار مجلة حداثية وسنساهم فيها حماسا وكتابة، إنها مجلة 2000، وقد صدر منها عدد واحد، بعدها أو قبلها سيساهم هو ومحمد برادة والعربي المساري في إصدار مجلة صغيرة هي «مجلة للقصة والمسرح» (هل تعلمون أن المساري كاتب قصة بامتياز؟) راجعوا إحدى أعداد جريدة «التحرير» قبل التحاقه بالاذاعة ومن ثم ب «العلم» كذلك كتب فيها الفنان الكبير عبد السلام عامر.
أتذكر هنا الوجه الثاني لعلاقتنا هو الوجه الثقافي الأساس، ففي أواسط الستينيات كان السحيمي نجما صحفيا بارزا و كاتب زاوية أسبوعية متميزة هي «الأيام والليالي» ، وفيها كان يلتقط تفاصيل الحياة السياسية والاجتماعية بكل مفارقاتها وتناقضاتها وتهافت الناس على العهد الجديد، ناهيك عن قصصه القصيرة ذات النفس السردي المشخص للذات الممزقة ومحيطها النفسي واللغة المكثفة الدقيقة الواصفة، ثمة نزعة متمردة ولغة