فهرس الكتاب

الصفحة 27424 من 29568

الفنان الشرقي بنمحمد، أحد رموز الرعيل المؤسس للأغنية الأمازيغية والعازف الألمعي على آلة العود.

موته يشبه القتل .. قتلته الحياة ألف مرة قبل أن تسلمه إلى الموت لمحو آخر ما تبقى من أناه الفيزيقي.

أدركته حرفة الفن فكانت هي المواجهة الأولى الصعبة التي ستصنع قدر ذلك «الأورفيوسي» الثاوي فيه والباحث عن معنى لوجوده، بل لاغترابه. «لم ير اليد التي تقتل» بتعبير «نيتشه» ، لأن الفنان المتوهج بنورانية الحياة وبهائها هو في مملكة العميان كائن بلا أبعاد وبلا امتدادات. إنه الفنان الذي يموت حين تخونه ثقافة الاعتراف؛ فهل اختار فناننا بنمحمد الشرقي حتفه عبر بوابة الفن؟ هكذا هي ذاكرتنا الشعبية، تتخرم وتتعمق شروخها وتضيق مساحاتها الضوئية في كل مرة يخبو نجم في سمائها.

مع رحيل فناننا الشرقي، لا شيء يوحي بأن الموت هو دائما «الذكرى الأعمق» (إرنست يونغر) مع أن هول الفاجعة يجعلها كذلك، بل يبقى النسيان والصمت هو ما يؤثث بياضات الذاكرة ويمتص انكساراتها. حتى المؤسسة الإعلامية، التي يفترض أن تكون داخل الحدث، اختارت أن تتعامل معه كمادة لاستهلاك آني باهت ومحتشم تكفل الإعلام السمعي وحده بململة بعض تشظياته في غياب قنوات أخرى بصرية ومقروءة.

هكذا، إذن، كانت تراجيديا الرحيل قاسية عن فنان مضى إلى عالمه السفلي وحيدا عاريا إلا من موته، مشيعا بعوده وأنغامه وبذاكرة مشروخة صدئة يتلمس عبر سراديبها المعتمة طريق عابرين سبقوه ليشاركهم طقوس موتهم المتعدد. مات وفي نفسه أكثر من غصة: زمن موبوء،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت