مقرف، ماض، يصفي بإصرار الحساب مع الرموز، شاهرا ضدهم كل أسلحة التنكر والجحود. أشباه فنانين يتناسلون بيننا كالفطر ويهتكون عذرية الحرم الفني بلا ذوق ولا إحساس ويحجبون بالتالي شمس الفن عن الأفذاذ القابعين في الظلال. إعلام استهلاكي متواطئ، «شوفيني» أحيانا، يوزع صكوك الشهرة والنجومية بلا ثمن .. و .. و ..
مدينة «القصيبة» الأطلسية المهمشة، ومعها الوطن كله لو تسعفها الذاكرة ولو إلى حين، ستنزف سحرا وعبقا كلما عاودها طيف ذلك الأورفيوسي الذي احتضنته ذات زمن ابنا بارا يذود عنها خفافيش الظلام، وينشر فرحه الجميل ضدا على آلهة الجحيم في المغرب العميق.
بالعود أبحر في دنيا الفن وكانت الآلة يوم ذاك غير متداولة إلا عند قلة من الفنانين الأمازيغيين (حمو اليزيد، مولود أولبشير، الباز بناصر، محمد العتابي) ، فقد كانت التجربة في بدايتها، وترويض الآلة لتبييئها في هذا الواقع الجديد لم يكن سهلا. لذلك فإن ما أنجزه الفنان الشرقي في هذا الباب يعد فتحا مشهودا، وهو الذي ظل يراود قيثارته حتى أسلس قيادها بحذق العارفين ليجعلها رفيقة سفراته وفتوحاته الرائعة.
أليست الموسيقى بعضا من لغة الوجود وذاكرته؟ ثم أليس الفنان هو من يحس بأن بداخله لغة تواقة أبدا إلى امتلاك معناها الأسمى في موسيقى الوجود والطبيعة؟ الفنان الشرقي كانت له هذه الهبة من «الطبيعة» وأكاد أجزم بأنه لم يختر العود آلة لفنه، ولكن العود هو الذي اختاره؛ فقد كان للرجل من الهدوء والأناة في الأداء والقدرة على هندسة المقام والتحكم في الطبقة الصوتية والسلاسة في نتوءات الدفق الشعوري ما يجعل العود آلته الأثيرة القريبة إلى وجدانه وفنه.