بين الفن والثقافة، هناك دائما حركة تواشج ونوسان خفي وعميق. فما يقوله الفن ويعبر عنه هو ما يحس الفنان بأنه صار ملكا للثقافة وتمثله وجداننا الجمعي في صيغ كليات كبرى رمزية، قيمية ... حاضنة لمطالب المجتمع وحاجاته. لذا فإن نجاح الكثير من فنانينا الرواد جاءهم من قدرتهم على استغوار ذلك الخيط الناظم لخطوط التماس بين الفن والثقافة. وفي تجربة الفنان الشرقي، هناك شيء ما يوحي فعلا بأن الثقافة هي ما كان بإمكان فنه الإمساك به من منظومات المجتمع الجمالية والرمزية والقيمية واستعادتها «تيماتيا» وفنيا عبر علائقها الممتدة في: الأرض، الطبيعة، الذات، الهوية، ... وتلك هي الحلقة المفقودة من إرث ثقافي صار يضيع منا كلما افتقدنا رمزا من رموزنا بهذه الصورة البشعة لأن في موتهم موت حساسيات ومدارس، موت أذواق وقيم، موت الذاكرة والأصول ...
فما أحوجنا اليوم إلى أن نضع أنفسنا أمام الحقيقة ونعترف بأن ما نعيشه هنا والآن من اختلال وارتجاج في منظومتنا الفنية هو إحدى النتائج الحتمية لسياسات ثقافية هشة صنعت جيلا بلا ذاكرة ولا ذوق ولا رؤية.
دمت محمد الشرقي «حيا» في موتك المتعدد، بل وفي قلوب من لم يصدقوا بعد أنك غادرتنا فعلا.
مصطفى بواكيس