فهرس الكتاب

الصفحة 27470 من 29568

، سروال الرجل واسع ومتسع لا يخلق له متاعب في الجلوس، ولا يبين منه ما يقلق الناظر، نعله صيفا وشتاء من نوع ميشلان، لا يعفيه ولو لمرة واحدة من المشي، في الليل يضعه مخدة تلتقط أفكاره عندما يخلد للنوم .. يتطاول الرجل في الطرقات منتشيا، مغنيا،،مبكرا لمجلس الرجال، منتظرا قدوم الجميع ليحدثهم عن مغامراته وغرائب أطواره .. إنه الناقل للنشرات الإخبارية الصباحية والمسائية، دون أجر. يفتح باب كل بيت قبل أو بعد بزوغ الشمس بقليل ودون استئذان ودون أن يشتكي منه أحد أو يشكل خطرا على امرأة محصنة أو عازب أو مطلقة، .. يقرد وبيده عصاه، يرتشف كأسا واحدا أو اثنين من الشاي أو نصف"غراف من اللبن"حسب الجودة وحسب الكرم ومنزلة أهل الدار، و يبدأ بسرد الأخبار و حين ينفد زاده يغادر المجمع بخطوات متسعة نحو بيت آخر ربما يكون أجود ...

بعد صلاة العصر تتسع خشبة مسرحه ويتسع جمهوره بمدخل القصر أمام السقيفة: هناك يحلو له الكلام ويأخذ عصاه من الوسط، ويسرع يمينا ويسارا نحو هذه الجماعة ونحو الأخرى، يجسد الملحمة البطولية للصراع القبلي، بيده ورأسه وساقيه الطويلتين وصوته الجهوري الأجش متنقلا بين"أحفير"و مدخل"لَََََعْرِيْصَة"وحيدا متفردا، إنه المؤسس الحقيقي للمسرح الفردي، وقد فاق بالأكيد عبد الحق الزر والي وكل الحكواتيين بالمدن العتيقة.

يسرد ويقص أحساين بوشقيفة محكياته التي تدور عليه حينا وعلى غيره أحيانا أخرى، يسرح بصره فيمن حوله متجاوزا الكتل الهامدة المنتظرة لآذان المغرب في فسحة العراء، راميا نظره إلى مدى أبعد، يتفحص، الوجوه في ذهول كأنه، يبحث عن شخص معين وترتفع ضحكات الرجال

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت