فهرس الكتاب

الصفحة 27667 من 29568

تدبير الشأن الثقافي ليس مهمة أكاديمية أو بحثية أو حتى إدارية «بيروقراطية» ؛بل هو التزام أخلاقي ومجتمعي يرى أن الثقافة هي أساس كل نظام اجتماعي سليم ومطمئن، كما أنه عناية بالطاقات الإبداعية للأفراد العاديين من المواطنين، ومساعدتهم ليكونوا قادرين على صياغة أشكال ثقافية خاصة بهم وحمياتها وتطويرها، لتحقيق التوازن مع ثقافات الجماعات القوية والمهيمنة في المجتمع، من خلال أدوات السلطة والثروة، وتكون مضامينها، في الغالب، وافدة ومضادة لثقافة الأفراد العاديين.

لقد قدم المفكر الإنجليزي ماثيو أرنولد (1822 - 1888) في كتابه الشيق «الثقافة والفوضى» ، تصورا عميقا للمسألة الثقافية؛ إذ اعتبر انكلترا المعاصرة مجتمعا «ميكانيكيا» ، يهتم بجمع المال أكثر من اهتمامه بالجانب الروحي عند المواطنين، مما أحدث فوضى روحية عارمة، استبدلت فيها معايير الخير والشر بمعايير العدمية النسبية. لذلك توصل إلى أن الثقافة باعتبارها مفهوما «مطلقا» ، هي السبيل الوحيد لتخليص انكلترا من حالتها المزرية. فالثقافة هي التي تضفي على المجتمع ما تكتنز به من «عذوبة ونورانية» ؛ فهي عملية باتجاه الداخل، تساهم في التطهير والتزكية والسمو.

إن التدبير الثقافي الأمثل للشأن الثقافي هو الذي يجعل الثقافة ضمن الاستراتيجيات الكبرى للدولة والمجتمع. هذه الاستراتيجيا تجعل من أهم أهدافها الكبرى تحقيق «المجتمع الثقافي العضوي» ، الذي تشارك فيه كل الفئات الاجتماعية، بمختلف مستوياتها، في الأنشطة الثقافية ذاتها، وتحظى كل الفئات بالامتيازات الثقافية نفسها. وهو أمر يفتقده مجتمعنا؛ إذ نعيش نوعا من «الفرز الثقافي العنصري» ، من خلال الأنشطة الثقافية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت