ونحن وإن كنا لا نستغرب لهذا الكم الذي كتب حول هذا الأديب المؤرخ فهو أشهر من نار على علم، فإننا نستغرب للتجاهل الكبير الذي طبع البحوث والكتابات التي كتبت حوله لمرحلة مهمة من حياته، وللقفز غير المفهوم على فترة من أهم فترات تكوينه المتمثلة في علاقته بزاوية آل البصير بتادلة وبشيخها سيدي إبراهيم البصير الرقيبي؛ هذه العلاقة التي تعتبر حلقة أساسية في عقد حياته، بل نكاد نجزم أنها الطفرة الأساسية التي أنتجت لنا هذا النابغة، وربما لم نكن سنعرف يوما رجلا بهذه المواصفات لو لم تكن هذه العلاقة بآل البصير وتحديدا بالشيخ إبراهيم البصير مؤسس الزاوية الدرقاوية الإبراهيمية البصيرية ببني عياط بتادلة.
كيف لا؟ ولولا هذه العلاقة ما ذهب المختار السوسي إلى فاس ولا إلى الرباط، فهذا الشيخ هو من مهد له طريق الذهاب إلى الرباط، وهو من أوحى إليه بفكرة الذهاب إلى فاس من قبل وألح عليه فيها، وهو من كان يتكفل بمؤونته ورعايته طيلة سنوات مقامه بها حتى استوى عوده العلمي، وهل يمكن أن نتصور شخصية المختار السوسي دون مرحلتي دراسته في فاس والرباط، فهو نفسه لا يتصور ذلك، بل يقر في غير ما موضع من مؤلفاته أن حياته لم تكن شيئا مذكورا قبل ذلك، وأن هاتين المحطتين هما اللتان شكلتا ميلاده العلمي، فعن فاس يقول:"ليت شعري كيف أكون لو لم أقض في فاس أربع سنوات قَلبَتْ حياتي وتفكيري ظهرا لبطن، ثم لم أفارقها إلا وأنا مجنون بالمعارف جنون قيس بن الملوح بليلاه، حتى نسيت بها كل شيء"3، ويضيف في موضع آخر:"... ثم لما حللت بفاس أتى الوادي فطم على القرى، فبدلت أخلاقا غير التي عهدت من"