نفسي قبل، وأنا في مراكش وأحواز مراكش، فقد تلقحت في جو فاس بما لو لم أتلقح به لما كانت لي فكرة، ولا تحركت بي همة ... تكونت لي في فاس فكرة دينية فرقت بها ما بين الخرافات المموهة، وبين الروحانيات الربانية، كما نبتت مني غيرة وطنية نسيت بها نفسي ومصالحي الشخصية ... فصرت أقرأ ... ما عرفت به أن الذي كنت أسبح فيه منذ صغري ليس إلا ضحضاحا كدرا؛ لا يبرد جسدا؛ ولا يفثأ غلة؛ ولا يقضي على لهفة"4. أما عن الرباط فيقول:"... ثم ألممت بالرباط، حيث احتقبت أيضا علوما وفهوما وأنظارا وبحوثا لم أقع عليها إلا في الرباط وفي مشايخ الرباط"5."
فإذا كان المختار السوسي نفسه يقر بكل ذلك، وإذا كانت اليد البيضاء في حصول كل هذه الأمور له ترجع للشيخ إبراهيم البصير -كما سنرى- وإليه يرجع الفضل بعد الله سبحانه وتعالى في رسم مسار حياة هذا الرجل وتكوينه، فمن الموضوعية التاريخية أن يرد الفضل إلى أهله، وأن تسمى الأمور بمسمياتها تحقيقا للحق وضبطا للتاريخ.
ولد الشيخ إبراهيم البصير الرقيبي بزاوية والده امبارك البصير بالأخصاص بسوس عام 1287هـ/ 1870م6، ولبس خرقة التصوف الدرقاوي على يد الشيخ الحاج على بن أحمد الإلغي السوسي والد العلامة محمد المختار السوسي، ومن ثَمَّ بدأت العلاقة بين هذا الأخير وبين إبراهيم البصير الذي كان يقدره ويعطف عليه - رغم صغر سنه- باعتباره ابن شيخه، وزادت العلاقة توطدا بعد وفاة الشيخ الإلغي لاسيما وأن هذا الشيخ كان يقدر إبراهيم البصير وينزله المرتبة العليا بين أصحابه حتى إنه كان يشير باستمرار إلى أنه الوارث لسره من بعده، بل إنه عبر عن ذلك بالفعل لمّا أوصى له بسبحته وعكازته الخاصتين وبكتاب الأمير الذي