ويؤول بنعبد العالي هذا السؤال إلى آخر: كيف نظرت الثقافة العربية وكيف تنظر إلى نفسها؟ يجيب كيليطو بالدعوة إلى التمييز بين زمانين ثقافيين، أو بين ذاكرتين أدبيتين:» فإذا كان الأدب الكلاسيكي يحيلني تلقائيًا الى الهجرة وفضائها، فإن الأدب الحديث يحيلني عفويًا إلى أوروبا كتقويم وإطار « (لن تتكلم لغتي، ص12 - 13) . وهذه الذاكرة المزدوجة في إدراك الذات تدل على أن هناك"فترة لم يعن للعرب فيها لحظة أن ينظروا من الخارج عبر أدب آخر". وهناك فترة أخرى أصبح فيها العرب"في حاجة إلى لغة أخرى غير لغتهم، والى مرآة أخرى كي يروا أنفسهم".
وأثناء الخوض في هذه القضية الحساسة تحضر مسألة الترجمة بقوة. فالعرب عرفوا حركة واسعة للترجمة، غير أنهم، بحسب كيليطو، كانوا ينظرون إلى الترجمة كعملية تتم في جانب واحد، أي من لغات أخرى (الفارسية، اليونانية، السريانية) إلى العربية، وليس من العربية الى لغات أخرى. وبذلك لم يكونوا يرون أن شعرهم يجوز عليه الترجمة (أو النقل) وهذا ما يؤكده الجاحظ بقوله"لأن الشعر متى حوّل، تقطع نظمه وبطل وزنه وذهب حسنه وسقط موضع التعجب فيه". وبذلك فالعرب كانوا يتصورون أن الترجمة الوحيدة هي الشرح والتعليق والحاشية. أي ترجمة داخل اللغة نفسها. والنتيجة أن العرب القدماء ضربوا الحصار على ثقافتهم، فلم يكتفوا بذلك، بل إنهم حرصوا، عن غير عمد، على جعل مؤلفاتهم غير قابلة للتحويل، فطوروا أساليب تستعصي على النقل. ونتيجة
لذلك اقتنع العرب بأن الأدب العربي مكتف بذاته ولا يهم في مجمله إلا العرب" (ص.20) . و لم ينفجر هذا الاكتفاء إلا ابتداء من القرن التاسع"