لا يتوخى الكاتب عبد السلام بنعبد العالي في كتابه' الترجمة'، الإقناع الدفعيّ المباشر. إذ لا يتجه النصّ مباشرة إلى الفهم، وإلاّ، لتحوّل لافتة شعارات، فالتخاطب المباشر، يعني التوجه إلى شخص محدّد، من شخص محدّد، وعليه، يتمّ إلغاء الأثر الذي يقصده دريدا، ملغيًا بدوره كينونة الآخر، وهذا مكمن العيب في نظرية 'الفنّ للمجتمع?، وهو التضحية بالآخر، على الرغم من توجهها ظاهريًا إلى المجتمع.
يسير الكاتب في مناقشاته إلى الإقناع البطيء، الإقناع التداوليّ بعيدًا عن الإكراه والقسريّة، تشفع له أحاطته الفلسفية بموضوع الترجمة، كأنه يتداول مع القارئ الفكرة ونقيضها، الأصل ونسخته، الوفاء والخيانة. وكأن التناقضات ليست أعداء التطابقات، إن لم تكن هي رفيقة عمل ودليل فهم.
لذا فهو يبتغي الإقناع وليس القناعة التي تنطوي على شيء من التسليم بالأمر الواقع فرضًا، بينما الإقناع يحتوي التفاهم، وهو نتيجة هجرة تبدأ من الكاتب إلى القارئ. يحاول المبدع إزاحة التشابه بين الإقناع والقناعة.
لا تقصد محاججات بنعبد العالي الغلَبة، فالعقل ليس مزهوًا بالنتائج المفروضة بحكم التفوّق. الإنتصار هو ثمرة إقناع تداوليّ بين الصواب والخطأ، بين العدالة والظلم، أي الخطأ يناقش الصواب، بعيدًا عن الإكراه والجبريّة. الكاتب بنعبد العالي ذو شخصية بيداغوجيّة (أستاذ الفلسفة) ، لذا يمنح الأفكار شكل وسلوك التربية، يشعرُ بالقارئ رديف التلميذ، يسترسل معه، كأنهما في درس صداقة حميم، لا أقصد العلاقة الأستاذية التربوية، إنمّا طريقة الوصول إلى الإقناع من دون التصادم، وذلك لأن العالم في معيّة الاثنين، الكاتب والقارئ معًا، مثلما الأفكار هي نتاجهما،