العروي بحضور متميز في المشهد الثقافي العربي، فهو من المفكرين المعروفين في الأوساط الثقافية العربية والغربية بتنوع اهتماماته، وتعدد إنتاجاته المعرفية من تاريخ وفلسفة وسياسة ... إلخ، هذا فضلا عن اهتماماته الإبداعية. فالقارئ العربي يعرف عبد الله العروي من خلال كتاباته الفكرية الجريئة التي طرحت أسئلة دقيقة ومحرجة على الواقع العربي في جميع امتداداته الثقافية والسياسية والتاريخية في محاولة لتقويض البنى الثابتة وخلخلة القيم الماضوية التي تقف عائقا أمام التغيير وتحقيق النهوض المنشود، كما يعرف عبد الله العروي الروائي الذي أتحف الخزانة الروائية العربية بمنجزه الروائي الحافل والمتميز لكن الذي يمكن أن يعزب عن بال القارئ المهتم بإنتاجات عبد الله العروي أن أعماله التخييلية هي استمرار وامتداد لمسيرته الفكرية فهو يقول 'إني لا أميل إلى الرواية إلا بدافع تجاوز ما يظهر من صرامة تحليلاتي الأيديولوجية والتاريخية' (1) وكأني بالأستاذ العروي يستشعر أن التعبير الأدبي أوفى من الكتابات الفكرية في استيعاب نفثات صدره ودواخله وهواجسه. وما يقوي لدي هذا الاعتقاد هو قول العروي 'إذا سئلت ما هو الغرض من كتابتك للقصة فلا بد أن أجيب أن الغرض منها هو التعبير عن أشياء لا أعبر عنها بالتحليل العقلاني. لو كان التحليل العقلاني بالنسبة لي كافيا للتعبير عن كل ما أحس به لما كان داع لكتابة القصة ' (2) . إن حديث العروي هنا لا يعني أن أعماله الإبداعية نسخ مكرورة لكتاباته الأكاديمية لأنه لو كان الأمر كذلك لما كان ثمة داع لكتابة الرواية، وهذا ما يفهمه القارئ من قول العروي 'يخطئ من يظن أن المادة واحدة وأن ما يوجد في الأعمال الأدبية يوجد في الأعمال التحليلية' (3)