التي تتناولها رواية 'مجنون الحكم'، سنجدها تعطي صورة ما عن هذه الشخصية تكون كافية 'لتحرير رسالة جامعية أو مؤلف دراسي، [إلا أنها] تصير غير كافية إن سعينا إلى تمثل شخصية ذلك الطاغية في بعدها الفكري والنفسي أو الوجودي' (7) . إن الرواية استقصاء وتحر في التفاصيل المنسية في مفردات الحياة الضرورية التي أهملها المؤرخون والتي لم تحظ باهتمامهم، وكي تنفخ الرواية الحياة في التفاصيل الضرورية فإنها تلجأ إلى الخيال الذي يشتغل على الظلال والمناطق التي لا يصلها التاريخ، وقلما يفكر فيها المؤرخون فتعمل على ملء الفراغات، وسبر أغوار المسكوت عنه، ونبش خباياه الداخلية. فعن طريق الخيال يتعمق الروائي باطن الشخصية ويحلل نفسيتها، ويصف عواطفها الحميمية، ومشاعرها الخاصة، على حين أن المؤرخ يضطر إلى الاقتصار على الربط بين المقدمات والنتائج، والنقل الأمين لما وقعت مشاهدته أو سماعه؛ لأن حديثه عن باطن الشخصية، وكشفه عن عوالمها الداخلية الخاصة من دون إحالة إلى وثيقة أو شهادة يقود القراء إلى الطعن في مصداقيته العلمية، والتشكيك فيما يقدمه من مرويات وأخبار. ثم إن إعادة كتابة التاريخ روائيا، عند حميش، توحي، بالاضافة إلى ما تقدم، بوجود' أزمنة متعالقة متقاطعة وليس بزمن واحد محدد، زمن الرواية التاريخية التقليدية كما عند موروا أو جورجي زيدان وعلي باكثير' (8) أي أن الروائي يكتب الحاضر بلغة الماضي؛ حيث تتقلص المسافات ويتداخل الزمن؛ فيصبح الحاضر ماضيا، والماضي حاضرا. فالرواية وإن كانت ترصد ظاهريا أحداثا هي في طي الزمن الغابر، فإنها تتخذ من ذالك منفذا لمعالجة معضلات الواقع؛ فهي تعيش في قلب اللحظة التاريخية الراهنة بكل