فهرس الكتاب

الصفحة 28613 من 29568

قوته؟ و أي المناهج تخللت أعماله؟ بمعنى ما هي حسب زاوية نظركم أهم مقومات المنهج لديه و التي أكسته صفات التميز و التفرد؟

إن ما يمز جاك بيرك عن غيره من الباحثين في مجال العلوم الإجتماعية، و ما يجعله جديرا أيضا بالإهتمام، هو عدم إنصياعه و خضوعه لأمهات النظريات المهيمنة، و جرأته و قدرته على مساءلتها و تجاوزها، إذ كان مسلحا في ذلك بتجربته الغنية و بإعتماده الواقع كمحك أول و أخير، إن هذا النهج الذي سلكه و الذي يتخلل كل أعماله برمتها، جعله في منأى عن المنزلقات التي ألت إليها التصورات الإختزالية و التوجهات المغرضة، فما يتوجب علينا الإشارة إليه كذلك، هو أنه لا يجب بأي حال من الأحوال محاولة تصنيفه في إتجاه نظري معين، أو القيام بإسقاطات إيديولوجية، أو حصره في خانة معرفية معينة، لأن هذا سيحرم القارئ من إدراك هذا النهج في عمقه و أصالته و أبعاده المختلفة، فالمنهج لديه لا يمكن حصره في إطار نظري معين، أو إخضاعه لمفاهيم جاهزة و مسطرة مسبقا، كما أنه ليس مجموعة من المقاربات و التقنيات الجافة الصالحة لكل زمان و مكان، بل يتجاوز ذلك ليصبح عملية مجابهة بين الباحث و موضوع بحثه، و تفاعل مستمر و حوار فعال، مما يجعله لينا يتكيف و يتغير بتغير الواقع، فالمقاربة البيريكية تنطلق مما هو واقعي، من الحدث، من المعيش، من الإشارات التي تزخر بها الحياة من أجل إعادة تكثيف الوقائع، إن الحياة بكل رموزها هي المجال الذي يستمد منه فرضيته، و قد كان حريصا على عدم تشويه الواقع أو ممارسة أي عنف عليه. إذا كانت المقاربة البيريكية تنطلق من الواقع، فهذا لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت