العرب، و هذه المؤاخذة ليست سوى إحساس يصعب تبريره، أما وقيدي، فقد كان يعترف لبيرك بمواقفه المتقدمة على المستوى المنهجي و الفكري، إلا أنه لم يوف الرجل حقه، لأنه يرى هو أيضا في أعمال بيرك و توجهاتها المختلفة، في نهاية المطاف، إلا محطة إستشراقية جديدة أفرزتها مرحلة جديدة لتطور الرأسمالية العالمية، متغافلا إسهاماته الغنية و المتقدمة في زعزعة التصورات الأوروبية المفعمة بالنزعة المركزية الأوربية، فتوجهات بيرك برمتها، تصب في العمل على إحداث قطيعة إبستمولوجية مع العلم الإستعماري في منطلقاته و تصوراته و مفاهيمه و مناهجها، و قد يعود لجاك بيرك الفضل الكبير، أكثر من غيره، في زعزعة المبادئ العامة التي يقوم عليها الفكر السوسيولوجي الغربي، لكن رغم الآراء المتشددة و المتعصبة، فهنالك أراء مغايرة و مواقف أخرى، أكثر هدوءا و تريثا، و إنصافا تجاه أعمال بيرك، و هي تلك التي أبرزها كل من المفكر سالم حميش، و المفكر محمد بوغالي و غيرهما، فالأول من خلال كتاب الإستشراق في أفق إنسداد عمل على تناول التوجه البيريكي مبرزا أهميته و إسهاماته الغنية في مجال العلوم الإجتماعية و تطبيقها على العالم العربي، كما ركز على مظاهر التجديد عنده، معتبرا إياه مستشرقا من نوع أخر، عرف كيف يتخلص من الإستشراق التقليدي بكل مشتقاته المثالية و التجريدية و ميولاته الملحاحة، كما أبرز تلك المظاهر المجددة، و المتجلية في تطبيقه المناهج الحديثة للعلوم الإنسانية على السلوكات العربية، لا كمواضيع أو كائنات محددة أنطولوجيا، ببعديها الديني و العقائدي، و لكن بالنظر إليها كذوات مشخصة تمارس ككل الذوات الإنسانية الحية إرادتها و حقها في التقدم،