فهرس الكتاب

الصفحة 28621 من 29568

من خلال الموازنة بين توجهات فيبر و توجهات بيرك، يمكن القول بأن هناك نقاط تقارب كبرى، تتجلى في الإستقلالية الفكرية، و في النفور من الأنساق الفكرية الجاهزة، بمعنى أن ما يميز أعمالهما هو تلك التعدية في الواضيع، و اللجوء إلى مختلف التخصصات، دونما الإنجراف أو الإنسياق وراء تيار فكري ما، فإذا أبدى فيبر تحفظات كبرى، إن لم نقل نفور شديد من الأنساق الفكرية النهائية، فكذلك ما أبداه بيرك، للأنها أنساق مبنية على الإختزال و التصنيف و التعميم، بمعنى أدق، إن التصور الفيبري للعلم و مأخذه على الأنساق الفكرية، يوازيان التصور البيريكي الذي ما فتئ يفند مرتكزات و منطلقات ما يسميه بالعلم الجاهز، الذي يطمح إلى تطويق تاريخ الإنسانية في ماضيها و حاضرها و مستقبلها، هذا على مستوى التماهي و التقارب، أما في ما يخص نقط الإختلاف، فتتجلى أساسا في تصورها للدين، فليس الجوهر في الدين هو ما يهم حسب وجهة نظرهم، بل السلوك ذو المعنى الذي يؤديه، فسواء بيرك أو فيبر، لم يقفا عند تساؤلات فلسفية أو ثيولوجية حول هذه الظاهرة، بل إهتمامهما إنصب أساسا في السلوك الديني كنشاط إنساني و تأثيراته على الأنشطة الأخرى، الأخلاقية و الإقتصادية و السياسية، إذ أن دراستهما للنشاط الديني تمركز في كونه سلوك عقلاني أيضا، فموقعهما يتحدد كفاحص للظاهرة الدينية لا بلباس الفيلسوف أو الثيولوجي، بل كان بحثهما للظاهرة بلباس السوسيولوجي، لكن هذا التقارب في معالجة الظاهرة الدينية سيتلاشى، عندما يرفض جاك بيرك بسخرية فرضية فيبر حول العلاقة بين البروتستانية و الروح الرأسمالية كميزة تخص

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت