إن الترابط الوثيق بين مقومات الإنسان ونتيجة للتأثير والتأثر (المتبادل) يجعل من الحتمي أن تنتج عن الأزمة الروحية الحضارية أزمة مادية تجعل الظاهر يفضح الباطن ..
ومن نتائج هذه الأزمة الروحية الأزمة العقلية وهي أساس الفوضى القائمة على الفكر المضطرب نظرا لفساد المعرفة وفساد القصد.
ومن مظاهر هذه الأزمة الحضارية الروحية العقلية، حيرة العقول والقرائح، ففلاسفة العلوم يتكلمون عن لا"مادية"المادة ولا جوهرية الجوهر، ولا شيئية الأشياء ... ، بمعنى أن كل ما نشاهده، ما هو إلا نسيج من العلاقات والمظاهر .. ، أي ما يقع على الحواس من أشياء مجهولة الكنه والمدلول العميق .. ، إنه الجهل بكنه المادة، والغرور الجاحد بوجود مجردات كما لوكان من الممكن أن يتحرك العقل بدون تجريد.
إن كلمة إنسان أو فرس أو شجر وغيرها من الأوصاف والتحديدات إنما هو مفهوم مجرد، تندرج فيه عدد كبير من المفاهيم، وكلها مجردات رغم وجود الأوصاف الحسية التي لا تعدو أن تكون محض ارتسامات وأحاسيس ذهنية ... (38)
إن اضطراب التفكير يؤدي إلى اضطراب في الفهم، وقد سمى أوجست كونت هذه الحالة بالفوضى العقلية، وقد أدت هذه الفوضى العقلية إلى فساد في الأخلاق والسلوك ... ، وأدى فساد الأخلاق والسلوك إلى فساد شامل في مختلف فروع الحياة الاجتماعية .. لأن الحياة قائمة على دعائم من الأخلاق والمثل، فبفساد هذه الدعائم وانهيارها، تفسد جميع فروع هذه الحياة وتتقوض أركانها ... (39)