ويمكن أن نؤكد أن من مظاهر الفوضى العقلية موقف الحضارة الحديثة من الدين كل الدين. فقد نشأت في جو من الشرود من الكنيسة والنفور من الدين، ووقع ذلك"الفصام النكد"بين الدين والحضارة الحديثة.
بحيث طغت التصورات الغربية والنظرة المادية للوجود والحياة ولمركز الإنسان في الكون ولغاية وجوده الإنساني.
وأدى هذا المنهج المادي إلى اختلال في الفكر واضطراب في الفهم وخطأ عقلي في التقدير والتدبير الرشيد.
كما نتج عن هذا الاضطراب التمزق المأساوي لضمير الإنسان ..
ولعل شهادة الدكتور أليكسي كريل Alexis Carrel في كتابه"الإنسان ذلك المجهول" ( L'homme cet Inconnu) حول الحضارة الحديثة تعتبر حجة بالغة الدلالة على ما تتسم به الحضارة الغربية الحديثة من فوضى عقلية تهدد الخصائص الأساسية للإنسان. يقول كاريل: لقد أهمل تأثير المصنع على الحالة الفسيولوجية والعقلية للعمال إهمالا تاما، عند تنظيم الحياة الصناعية إذ أن الصناعة العصرية تنهض على مبدأ الحد الأقصى من الإنتاج بأقل قدر من التكاليف حتى يستطيع فرد أو مجموعة من الأفراد أن يحصلوا على أكبر مبلغ مستطاع من المال. دون أي تفكير في طبيعة البشر الذين يديرون الآلات ودون اعتبار للتأثيرات التي تحدثها طريقة الحياة الصناعية""
"ويقول: وهؤلاء النظريون يبنون حضارات، بالرغم من أنها رسمت لتحقيق خير الإنسان، إلا أنها تلائم فقط صورة غير كاملة أو مهولة للإنسان، إن نظم الحكومات التي أنشأها أصحاب المذاهب، في عقولهم عديمة القيمة، فمبادئ الثورة الفرنسية، وخيالات ماركس ولنين، تنطبق فقط على الرجال"