كل الاحتمالات الفادحة (تمرد القبائل في أطراف المملكة .. خيانات محتملة من الأقربين .. ) .
كان أهل الحل والعقد"يجتهدون"كثيرا ليظهروا دائما خداما مطيعين للسلطنة وبالمقابل ينالون فضاء للتحرك بسعة البلد يطلقون فيه أيديهم، ولأنهم -أي أهل الحل والعقد- يعرفون أن ما نيل بالدهاء لا يحتفظ به إلا بمزيد من الدهاء فقد عرفت عنهم القسوة الشديدة والمكر الأصفر في التنكيل بالأعداء والمنافسين المحتملين، كما في هذا الاجتزاء من ذات الكتاب الذي نحن بصدده، حيث جاء عن بعض من دهاء ومكر الصدر الأعظم"باحماد":".. فذكر كيف أن أحمد ساق معه الباشا حمو من مكناس وقد نزعه من مركز هائل كان فيه، فألقاه في تارودانت، وهكذا صنع بكل الأوتاد في المملكة الحسنية، ثم ذكر كيف فتك بقبيل في جهة الشاوية .." (ص34) .
كانت السياسة تمارس بتقنية الأرض المحروقة التي لا تقبل حتى بالتراتبية الإدارية بل بقطع دابر كل من تشتم فيه رائحة منافسة على النفوذ في الدائرة السلطانية المقلصة إلى أبعد حد جراء هذا التنافس الشرس الذي لا يبرز عقبه سوى رجل واحد كما في ساحات القتال بين المتصارعين على عهد الرومان.
لنتمل في هذا البورتريه المتحرك لشخصية كاريزماتية مثل الصدر الأعظم"باحماد":".. كان استبداده هو الذي اجثث الرجال الكبار الحسنيين، حتى لا يذكر معه أحد، فكان وحده المبدئ المعيد، والمصدر المورد، لا تكون كبيرة ولا صغيرة إلا بإذنه، وكان إخوانه وأهله على كل الإدارات، ولكنه مع كل ذلك لا يظهر إلا بمظهر المنفذ، فكل ما سأله"