فيخضع لهم العباد والبلاد، لذلك لم يكن استثناء أن يبقى الصدر الأعظم أحمد بن موسى (با احماد) في منصبه الخطير آمرا ناهيا ومستوليا على مالية الدولة إلى درجة قيامه بنقل كل ثروة البلاد التي كانت في دار المخزن على أيام السلطان المولى الحسن الأول إلى داره الخاصة في الباهيا عقب تولي المولى عبد العزيز الحكم! .. أقول أنه لم يكن استثناء أن يظل (با احماد) في منصبه الكبير حتى وفاته.
غير أنه في مكان ظليل (لكن واضح) من سلطة باحماد المطلقة كان ثمة رجل من ذات عيار الدهاء والمكر يطرز خلافته بصبر بينلوبي -نسبة إلى بينلوب زوجة ديونسوس في الأسطورة اليونانية المعروفة-، يتعلق الأمر بالمهدي المنبهي الذي تولى وزارة الحربية كمهمة واضحة إلا أنه كان في الواقع نسخة كربونية فيما يتعلق بمجال النفوذ الذي شغله ابا حماد من قبل.
لنستمع مرة أخرى إلى ما جاء ضمن مرويات الفقيه السوسي في كتاب حول مائدة الغداء بخصوص أفول نجم وحياة ابا حماد:".. فكان أول عارف بالخبر -يقصد المنبهي وموت با حماد- فطار مسرعا إلى باب السلطان فطلب الملاقاة باسم الفقيه -وبذلك يدعى أحمد عند أصحابه- فبمجرد ما لاقى السلطان أسمعه النعي، فخر السقف على المولى عبد العزيز، فلم يدر ما يصنع، لكونه لا يعرف مآتي الأمور، فشجعه المنابهي، فقال له إن الأمر كله لك، فمر ينفذ أمرك، وكلنا طوع يدك، في كلام معسول مثل هذا، فاستشاره السلطان في المعمول وهو يبكي أحر بكاء لرقة قلبه، فقال له يأمر سيدنا بإعداد جنازة وباحتفال الناس لها وأن يخرج سيدنا نفسه حتى يدفن، فذلك هو الواجب، وإن أذن لي سيدي نفذت كل هذا، فأمره"