فخرج المنابهي فأمر بكل شيء، وظهر من وقته آمرا ناهيا، فذهبت الجنازة كما ينبغي بمحضر السلطان فمن دونه ثم سأل السلطان المنابهي عما يجب فعله الآن فقال له يأمر سيدنا بتثقيف دار أحمد وأمواله وكل أهله كما هي العادة، ونقل أموال السلطان من داره إلى دار المخزن، فأمره بكل ذلك، فقام به في الحين، فألقى القبض على كل آل أحمد فغرب عزهم في لحظة، كما بزغ نجم المنابهي في اللحظة نفسها، ولما كان أحمد قد مزق كل الرجال الحسنيين في عهده، ولم يبق إلا شبه عجائز من أدنياء النفوس، وجد المنابهي الجريء المقدام الميدان فارغا، فتقدم فاستحوذ بكل بساطة، فدفع غريط إلى الوزارة وهو ثقيل الرأي والفهم فاستحوذ المنابهي على الحربية، والحقيقة أنه مستحوذ على كل شيء، لأنه حين أمر بنقل الأموال والمتاع من الباهية إلى دار المخزن، كان سرب إلى داره نحو الثلثين أو أكثر، فأنشأ يبذر بلا حساب، فأنال كل الناس أموالا طائلة .."! (ص41 و42) ."
ونحن نعرف خاتمة هذا المسار"السياسي"الناجح للسي المهدي المنبهي، إذ سيكثر حساده ويسعون بذات أسلوبه إلى الإيقاع به حين ذهب إلى أوروبا موفدا من قبل المولى عبد العزيز، غير أن المنبهي سيتدارك الأمر حين رجوعه فيحتفظ بسطوته ونفوذه إلى غاية أفول نجمه جراء حشد خصومه لقرائن أدانته وبررت إبعاده، ونجا من التتريك (مصادرة أملاكه كسلفه المتوفي با حماد) بفضل احتمائه بالبعثة الإنجليزية في طنجة.
غني عن الإيضاح أن السمة البارزة لممارسة الحكم في المغرب"أخلصت"لهذا المسار التقليدي المشبع بذهنية الصراع الكلاسيكي على السلطة: أي أن النفوذ والمال للأكثر قدرة على التنكيل بالخصوم والإقدام والجرأة