حوراء ترنو إلى العشاق بالمقل
فقال عبد المؤمن:
كأنما لحظها في قلب عاشقها
فأجاز أبو جعفر:
سيف المؤيد عبد المؤمن بن علي
ولا يتيسر هذا إلا لمتمكن، فعلى علو قدر أبي بكر بن عمار صاحب المعتمد في الشعر إلا أنه تعذر عليه أن يجيزه حين طلب منه المعتمد ذلك قرب ساقية للماء بعد أن قال: «صنع الريح على الماء زرد» ، فصمت ابن عمار واحتبس الشعر على لسانه وأجابته اعتماد جارية الرميك بقولها: «أي درع لقتال لو جمد» ، وكان ما هو معلوم من قصة زواجه بها، والشاهد عندنا في هذه القصة أن من ينظم الشعر من المهتمين بالأدب قلة ومن يرتجله من تلك القلة هم خاصة الشعراء وأئمتهم ولا بد أن ابن عطية كان منهم، فهذا شيخ الشعراء ومقدمهم أبو الطيب المتنبي لم يطاوله في القريض في عصره غير النامي، وكان النامي يقضي شهورا طويلة قبل أن يخلص إلى كتابة القصيدة الواحدة ولهذا لم يكن صاحب نفح الطيب مجانبا للصواب حين قال معلقا على هذه المساجلة الجميلة «ولا خفاء أن هذه طبقة عالية» .
إن مقولة كل ذي نعمة محسود تتجلى واضحة في سيرة أبي جعفر، فهو لم يصطنع خصومه بأثرة عرفت عنه، أو بغلظة في طباعه، لكن المواهب كثيرا ما تجلب على أصحابها من النقم أضعاف ما تجلب لهم من النعم، فالشاعر ابن حبوس الذي غمره ابن عطية بكرمه ورد عنه خصومه وقربه منه فكان من مدائحه فيه أيام مجد أبي جعفر وصولته: