أداء الواجب ما جعل السلطان يزداد به ثقة ويطمئن إلى تصرفه ويركن إليه، يقول المؤرخ ابن زيدان: « ... أبقاه (السلطان) من جملة كتبه، بل ورأسه عليهم لما رأى من حسن عقله وديانته، ثم استوزره فقام بشؤون مأموريته وظيفه أحسن قيام كما أسند إليه الرياسة واختص بالتدبير والسياسة، وصار لا يدخل إلا من بابه ولا تنال الرغائب من غير ميزابه» هذه المكانة المرموقة أوغرت صدور بعض ضعاف العقول وقرناء الزور، فسعت شرمذة من - الودايا بكل الوسائط للكيد له لدى السلطان، وألصقوا به تهمة التأمر على سلامة الدولة وأمنها. وأنه شريك لهم فيما قاموا به من عصيان وفتنة، بل هو السبب في شق عصى الطاعة كلمة الذين اتهموه، ولو لم تكن التهمة من الخطورة إلى هذه الدرجة -وخاصة لرجل في مثل مركزه- لما تلقيت أذنا صاغية من السلطان وخاصة أن هناك ظروفا وملابسات اكتنفت هذه التهمة، لا يتسع المجال هنا لبيانها، وقد أحسن السلطان صنعا -لحلمه وبعد نظره- إذ لم يأمر بإعدام ابن إدريس فورا، فتريث وأمر الوزير بملازمة داره، ثم حبسه حتى لا تتطور الفتنة إلى مالا تحمد عقباه، وتمت مصادرة أمواله، وكان الحدث المشؤوم عليه سنة 127هـ، ويتبين أنه قضى مدة تسع سنوات في وظيفة الكتابة والوزارة.
لقد شكلت هذه المحنة بالنسبة إلى الوزير الأديب تجربة نفسية قاسية، إذ قلب له جل الناس ظهر المجن، وجفاه القريب فضلا عن البعيد، وخلا إلى تأمل حاله ومراجعة نفسه، وأدرك من أين أتاه الشر بالأذى، وعبر ابن إدريس عن هذه التجربة المريرة بقصائد ومقطعات تنم عما انتابه من أحاسيس ومشاعر ومعاناة قاسية.