فهرس الكتاب

الصفحة 6007 من 29568

تعرض ابن إدريس أثناء هذه المحنة لألوان من التحقير بعضها يهد الجبال ويشيب له الولدان، فوقع كل إساءة مهما صغرت يكون وقعها على نفسه حادا لأنه كان ذا مركز مرموق، ولأنه مرهف الإحساس إذ هو الشاعر الأديب المتفنن، فرب كلمة أشد عليه من وقع الحسام، ويكفي أن نثبت هنا حادثة واحدة لها دلالتها، وهي: أن ابن إدريس كان ذات يوم في مسجد «درب السعود» ، وطال بالناي انتظار الإمام، فلم يجدوا بدا من تقديم ابن إدريس ليأتم بهم، وقام امتثالا لأداء الواجب، فلما هم بالتكبير إذ بالإمام يحضر، وهو في حال من الانفعال، وعمد إلى ابن إدريس وأخرجه من المحراب «وأغلظ له في القول وأغاظه بشديد الملام ونبزه بقوله: إن منكوب السلطان لا يؤتم به. وقد حز ذلك في نفس ابن إدريس وأضمره وانتابه ما يعتري الإنسان في حالة ضعفه، وهو يقول في نفسه: لئن أقدرني الله عليه لأجزينه بحبسه، وبينما هو في هذه الحالة من الاكتئاب والغضب سائرا في الطريق إذ به يسمع صبيا يقرأ قوله تعالى:

(إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يوتيكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم) (سورة الأنفال من الآية 70) .

فتاب إليه رشده وهدأت سورته، ودخل جامع الأندلس وصلى ركعتين شكرا أن هداه إلى الصواب في الحال، ولهذا عاهد الله أن يقابل الإساءة بالإحسان.

خلال مدة العزل وما عاناه أثناءها، دوام على العبادة واللجوء إلى رجال الصلاح، يستمطر لطف الله به ورأفته، ومن هؤلاء الولي الطالح الطيب الكتاني - سالف الذكر- الذي أمره بالانتقال من فاس على مكناس، والاحترام بضريح السلطان مولاي إسماعيل، وفي ذلك المقام، رآه بعض

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت