فلما قضى الحجاج الأوطار وحطت الأوزار واشتروا سلع التجارة، وأبرم بينهم وبين البدو عقد الإجار، خرج الركب الشامي فتلاه المغربي مباشرة في اليوم الثاني والعشرين من شهر ذي القعدة. فسلك نفس الطريق التي مر منها في الذهاب. وفي ذي طوى هبت ريح شرقية المعروفة بالشموم، سببت في مرض كثير من الحجاج ( [68] ) ومنها إلى عسفان، وخليص، ورابغ، ومستورة، وتركوا طريق الجديدة يمينًا خائفين من الأعراب. ثم لذي الحليفة، ومنها إلى المدينة المنورة فقصدوا الروضة الشريفة، ودخلوا من باب السلام، ثم خرجوا لزيارة البقيع، وفي يوم السبت السابع من شهر المحرم، خرجوا من المدينة المنورة، وشيعهم أهلها، كل على قدر طاقته، فساروا في هم وكرب شديد، فباتوا بقبور الشهداء، ومنها إلى الصفراء، والدهماء، وينبع النخيل والخديرة، والحوراء وهي مرحلة طويلة وشاقة جدًا، وتابعوا السير مع البحر في ريح شديدة وحارة، فنزلوا بندر العقبة ومنه إلى عجرود فالقاهرة ( [69] ) ، التي دخلوها وقد تفشى فيها الوباء الذي سبب في موت الكثير من الناس «ووجدنا أرض مصر غالية الأقوات وضاق الحال بأهلها ... وبها توفي صاحبنا الحاج الحسين الدرعي شهيدًا بالطاعون وبعده توفي الحاج عمران البرجلي والحاج أحمد السوسي الزداغي ... فضاق الأمر بالناس من الغلاء والمرض» .
ولم ينس الرحالة ذكر مصاريف الرحلة هو وأخوه من مكة إلى مصر بحيث بلغت أربعًا وعشرين ريال، وأنفقوا في الزاد ما أضيف إليه بين العشرة سبعة ريالات. أما تكاليف الرحلة من مصر إلى طرابلس فهي كما يلي: